اقتربت ساعة صفر الانتخابات الإسرائيلية مع سؤال يحوم في الفضاء لا يتعلق بنتائج الانتخابات وإنما حول ما إذا كانت ستجري أم لا. وترافق ذلك مع السؤال ليس إن كانت ستندلع حرب مع إيران، بل وأيضا هل ستندلع قبل يوم الانتخابات أم لا. وسرت تكهنات واسعة حول ما إذا كانت الحرب ستقع هذا الأسبوع، أم يوم الإثنين على أقصى تقدير؟ وخفتت حدة هذه التكهنات بعد أن أكدت مصادر أمريكية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يبدو متشجّعا لبدء حرب على إيران قبل انتهاء الانتخابات النصفية الأمريكية. وهذا ما قاد البعض إلى اعتبار التقديرات بشأن الحرب الوشيكة ليس أكثر من حرب أعصاب بين ترامب وإيران ترفع حالة التأهب الإقليمي إلى ذروتها.
ومع ذلك، ومع اقتراب استحقاق الصمت الانتخابي، تراجعت الاتهامات الداخلية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو باندفاعه نحو شن حرب على إيران تقود إلى تأجيل الانتخابات. وكان معظم قادة المعارضة، من يائير لبيد إلى غادي آيزنكوت ويائير غولان، قد أكدوا مرارا على تخوفهم من جر نتنياهو الجيش الإسرائيلي إلى مثل هذه الحرب. كما أن صحفا أمريكية رددت، لاعتباراتها، تقارير تفيد أحيانا بأن الرئيس ترامب حث نتنياهو على توجيه هذه الضربة وأحيانا أخرى بأنه منعه من شنها. غير أن معلقين إسرائيليين كانوا طوال الوقت يحذرون من أن الجيش الإسرائيلي منهك من حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام وليس في وضع يؤهله لشن حرب غير اضطرارية على إيران وتحمل تبعاتها.
وأكثرت الصحف الإسرائيلية في هذا الشأن من نقل التقارير عن الصحافة الأمريكية وعدم المبادرة بنشر تقارير عنها لإدراكها أنها جزء من اللعبة الانتخابية أكثر مما هي حاجة ضرورية لأمن إسرائيل. واستندوا غالبا في ذلك على إيجازات من قيادة الجيش حينا وعلى تصريحات علنية حينا آخر، وكانت الصحافة الأمريكية نشرت قبل أسابيع أن رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير هو من منع توجيه ضربة أمريكية إسرائيلية مشتركة لإيران بحجة أنها ستقود إلى تأجيل الانتخابات العامة من دون مبرر فعلي.
وحتى قبل أيام قليلة، وفي معرض تبريره إعلان حالة الطوارئ القصوى ومنع الإجازات في صفوف الجيش، أكد زامير أن “هدفنا إحباط أي تهديد مسبقا وتمكين إجراء انتخابات ديمقراطية دون أي تأثير خارجي”. ورغم أنه أشار في قوله هذه إلى تعدد المخاطر على كل الجبهات إلا أنه كان يقصد بشكل أساسي الجبهة الإيرانية.
وبحسب المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، آفي أشكنازي، فإن الجيش الإسرائيلي وجد نفسه “في موقف بالغ التعقيد: فمن جهة، يدرك أن أحد الأعداء قد يستغل يوم الانتخابات لشنّ هجوم عسكري محدود أو واسع النطاق ضد إسرائيل، بهدف عرقلة العملية الديمقراطية وإحداث فوضى في بنية الحكم في إسرائيل. من جهة أخرى، لم ترصد المؤسسة الأمنية أي تحركات من جانب أي من الأعداء – لا في إيران، ولا اليمن، ولا غزة، ولا لبنان، ولا سوريا، ولا العراق، ولا في الضفة الغربية – تشير إلى استعدادات لشن هجوم على إسرائيل أو قواتها”. مع ذلك، يخشى الجيش الإسرائيلي ما يسمى بـ”سوء التقدير” لإجراءاته “الاحترازية” لدرجة أنه طلب من ضباط الجيش الحد من الحديث عن الاستعداد والتأهب.
ويفهم الجيش الإسرائيلي، وفق “معاريف”، أن الحديث عن حرب يخدم جهات في إسرائيل مثلما يخدم أيضا جهات في الخارج. إذ هناك حملتان انتخابيتان متزامنتان تقريبا: في إسرائيل والولايات المتحدة. وفي الأخيرة مثلا بعض من يتحدثون عن الحرب، يريدون تصوير الرئيس على أنه من يجر الولايات المتحدة إلى حملة عسكرية أخرى على إيران. ولذلك ترى الصحيفة أن جهات في أمريكا ضخّمت مؤخرا “بشكل مبالغ فيه” تدريبات جوية واسعة نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في سماء سورية والعراق وصولا إلى مقربة من الحدود الإيرانية. وادعت أوسط إسرائيلية أن هذه كانت “تدريبات روتينية” لا تختلف عن المعتاد مؤخرا. وبلغ الأمر بـ”معاريف” حد القول: “يدرك الجيش الإسرائيلي الضغط الواقع على الرأي العام الإسرائيلي. لعل هذا هو السبب وراء تجول رئيس الأركان، الجنرال إيال زامير، حاملا “مطفأة حريق” في الأيام الأخيرة، محاولا إخماد النار التي أشعلتها جهات خارجية في المنطقة”.
ولكن، وكما هو واضح، ليس كل الحديث عن حرب مع إيران مجرد اتهامات وتقديرات معارضين ولا حتى تضخيمات أمريكية. ففي إسرائيل توجد قيادة سبق وأعلنت استنادها إلى مبدأ “الحرب الدائمة” في إطار إنشاء “أسبرطة العظمى”. ويقف على رأس دعاة هذا المبدأ نتنياهو ووزير حربه إسرائيل كاتس اللذان لا يكفّان عن إطلاق التهديدات بالحرب. ويتخذ نتنياهو وكاتس وجهة معاكسة للاتهامات الموجهة إليهما ويدعيان أنهما لا يسعيان إلى الحرب وإنما إلى الدفاع عن إسرائيل في وجه مخطط إيراني أو غير إيراني لشن حرب استباقية ضدها. ولذلك، في حفل تخريج ضباط قبل أيام، أعلن نتنياهو، في نوع من الدعاية الانتخابية، أن “النظام في إيران لم يتعظ بعد… وأن إيران تحاول مجددا تطوير القنابل الفتاكة. لا سبيل للقضاء على هذا التهديد نهائيا إلا بإسقاط النظام في إيران. وهذا ما أوجهه إلى الجيش الإسرائيلي والموساد وقوات الأمن”.
أما كاتس فأعلن: “في الأيام الأخيرة، رصدنا محاولات من أعدائنا، وعلى رأسهم إيران ووكلائها، للترويج لهجمات من شأنها التأثير على نتائج الانتخابات في إسرائيل… رسالتنا إلى النظام الإيراني واضحة: نحن نرصد محاولاتكم، ومستعدون لإحباطها، ومستعدون لضربكم بكل قوتنا”.
وشدد على أنه: “إذا هاجمت إيران إسرائيل، فستحترق. كل من يهاجمنا، قبل الانتخابات أو بعدها، وكل من يلحق الأذى بجنود الجيش الإسرائيلي أو المواطنين الإسرائيليين، سيدفع الثمن الأغلى”.
في كل حال، ووفق ما ينشر في إسرائيل، فإن الجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية يؤكدان بالإجماع أن إيران تحاول بالفعل استعادة قدراتها، لا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، لكنها تفعل ذلك بوتيرة بطيئة نسبيا. وأن الوضع لا يزال بعيدا عن الخط الأحمر الذي رسمته إسرائيل والولايات المتحدة في هذه المسألة. ويؤكد الجيش الإسرائيلي بوضوح أن أي عمل عسكري، أمريكيا كان أم إسرائيليا، لن يؤدي إلى تدمير القدرات النووية الإيرانية التي تحققت حتى الآن، ولن يؤدي أيضا إلى انهيار النظام في إيران. ويقول مصدر أمني رفيع: “لا يمكن تحقيق أي من هذين الأمرين بالقوة العسكرية. فالقوة العسكرية ستؤدي إلى إضعاف النظام، وإلحاق الضرر بقدراته الإنتاجية، وإزالة التهديد لسنوات”.
ومن الواضح للجميع أن إسرائيل، رغم تهديداتها طوال الوقت، كانت تتطلع إلى ضرب إيران ليس كقوة منفردة وإنما كجزء من تحالف على الأقل مع الولايات المتحدة لسبب بسيط وهو أنها لا تمتلك قدرة تقليدية على كسب مثل هذه الحرب. وفي المقابل، فإن التفكير باستخدام القوة النووية الإسرائيلية كفيل بإنهاء آخر مظاهر التعاطف الباقية معها في أوروبا وحتى في أمريكا. وهي لا تستطيع العيش بعد ذلك حتى في نظر نفسها لأن هذا كان من أساسه “خيار شمشون”.
لذلك، يبدو نتنياهو في وضع معقد بعد فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ويحاول دفع أميركا لتبني نظريته حول “الحرب الدائمة” وهو ما فشل فيه. فالبيت الأبيض، رغم عربدة ترامب وعنجهيته، ليس مثل إسرائيل، وصار يركز على الحصار الاقتصادي كوسيلة أولى مع إبقاء سيف التهديد بالحرب مسلطا لشن هجوم على إيران إذا توفرت ظروف مناسبة. كما أن الاعتراضات على حرب ترامب باتت واسعة جدا ولا تقتصر فقط على الديمقراطيين بل تخطتها إلى معقله الجمهوري وداخل تيار “ماغا”.
وهذا ما لا يريح نتنياهو الذي سبق وأشارت وسائل إعلامية إلى أنه سمع من ترامب أن الحرب مع إيران حاليا تخدم الانتخابات الإسرائيلية لكنها على العكس من ذلك في الانتخابات النصفية الأمريكية. فالحرب منفردا مع إيران ليست خيارا مفضلا في الجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية وفعلٌ بالغ الخطورة خصوصا في ظل معركة انتخابية. فرسائل إيران المضادة تتحدى وتهدد بتوسيع نطاق الحرب واستهداف مطارات وبنى تحتية ومنشآت طاقة وكابلات بحرية بشكل غير مسبوق. ولذلك قد يجد نتنياهو ضالته في العملية الفدائية في الخليل لاعتبارها الحرب التي ينتظرها والتي تتطلب منه “عملا غير مسبوق” في الضفة الغربية.










