Dark Mode Light Mode

إمبراطورية الضباط وغواية الحرب

(الفرنسية)

يُفسَّر قرار الولايات المتحدة شنّ الحرب على إيران عادةً بعاملين رئيسين، أولهما شخصية الرئيس دونالد ترامب، بما تتسم به من غطرسة وميلٍ إلى استخدام القوة، وثانيهما النفوذ الإسرائيلي في السياسة الأمريكية. وكلا العاملين مهم، لكنهما لا يقدمان سوى تفسير جزئي لقرارٍ بهذه الخطورة، فعلى الرغم من أن ترامب يمثل بالفعل حالة استثنائية في السياسة الأمريكية، فإنه ليس أول رئيس تؤثر ميوله الشخصية في عملية اتخاذ القرار، ولن يكون آخرهم، بل إن دراسة أثر شخصية الرئيس ومعتقداته وطريقة إدراكه للعالم تكاد تشكل حقلا فرعيا قائما بذاته في حقل الدراسات الأمريكية.

وفي المقابل، فإنّ آخر ما نعرفه من دراسات يشير إلى تراجع هيمنة اللوبي الصهيوني على تشكيل الخطاب السياسي الأميركي تجاه الشرق الأوسط، على الرغم من استمرار نفوذه في تشكيل السياسة الأمريكية[مرجع ١]. ويصعب على أيّ حال العثور على سابقة تاريخية استطاعت فيها دولة صغيرة، لا يتجاوز سكانها بضعة ملايين، التأثير في قرارات قوة إمبراطورية بهذا الحجم، من دون وجود شروط داخلية تجعل هذا التأثير ممكنا.

وتتضح حدود هذين التفسيرين عند النظر إلى تدخّل الولايات المتحدة في ثلاث حروب في أقل من خمس سنوات، ترتبت عليها نتائج تتعارض بشكل واضح مع مصالحها الاستراتيجية. فقد أدّى التورط في الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 إلى استنزاف موارد واشنطن، وزاد من صعوبة الفصل بين خصومها الدوليين، أي روسيا والصين، وأضعف فرص التوصل إلى ترتيبات أمنية مستقرة في أوروبا تسمح لها بتركيز جهودها في منافسة الصين. وألحق تواطؤها في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ عام 2023 ضررا بالغا بمصداقيتها الدولية، وأضعف قدرتها على الدفاع عن النظام الدولي الذي تقوده، وأثار انقسامات داخلية عابرة للحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وأخيرا، عرّضت الحرب على إيران أمن حلفائها الخليجيين ومصادر الطاقة العالمية للخطر، وفرضت تكاليف اقتصادية وعسكرية يصعب حصرها دون ضمان تحقيق أهداف استراتيجية واضحة. بهذا المعنى، يوحي التناقض المتكرر بين الخيارات المتخذة والمصلحة الاستراتيجية بتحول في قلب النظام السياسي الأمريكي نفسه، يصبح فيه النزوع إلى الحروب واردًا دون الأخذ بالحسبان نتائجها.

الحرب في تصورات ثلاثة أجيال من الضبّاط

أميل إلى إضافة تفسير آخر يتعلق بتحول داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه في العلاقات المدنية العسكرية التي شهدت تحولا منذ نهاية الحرب الباردة، تسارع بعد هجمات ١١ سبتمبر، وجعل السياسة الخارجية الأمريكية تنحو بشكل متزايد إلى تغليب المقاربة الأمنية على الاحتواء الدبلوماسي. فقد أنتجت الاندفاعة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، والانتشار الدائم للقواعد العسكرية في العالم، إرثا مؤسسيا من مصلحته افتراض وجود خطر خارجي يبرر وجوده، حتى لو غاب هذا الخطر عمليا.

وقد أنتج هذا المسار جيلا جديدا من الضباط تقاطعت خبراتهم ومصالحهم مع استراتيجية الدفاع المتقدم، التي تقوم على مواجهة التهديدات بعيدا عن الأراضي الأمريكية عبر الانتشار العسكري الدائم. وسهّلت بنية النظام الأمريكي نفسه، التي يسهل فيها انتقال المسؤولين بين المناصب الحكومية وشركات السلاح والاستشارات ومراكز الأبحاث، فيما يُعرف بظاهرة “الباب الدوار”، تعزيز نفوذ هذا الجيل داخل تحالفات وشبكات صناعة القرار، وأتاحت لهم تحويل خبراتهم وعلاقاتهم في المؤسسة العسكرية إلى نفوذ في المؤسسات التي تشارك في تحديد التهديدات وصياغة السياسات.

يساعد النظر إلى اختلاف خبرات أجيال الضباط الأمريكيين، وما تركته الحروب التي خاضوها في تصوراتهم عن الحرب والسياسة، على فهم خصوصية هذا الجيل. وتميّز دراسة بين ثلاثة أجيال منذ السنوات الأخيرة للحرب الباردة. نشأ الجيل الأول مهنيا خلال الحرب الباردة، حين كان الاتحاد السوفييتي يمثل التهديد الاستراتيجي الرئيس للولايات المتحدة. وقد تدرب ضباط هذا الجيل على خوض حرب تقليدية بين جيوش نظامية، تقوم على التخطيط المركزي والتفوق التكنولوجي والحسم العسكري السريع، مع إدراك أهمية الدبلوماسية العقلانية في منع مواجهة غير محسوبة قد تؤدي إلى اندلاع حرب نووية شاملة. وعززت هذه التصورات الفصل بين دور القيادة المدنية في تحديد الأهداف السياسية ودور المؤسسة العسكرية في تنفيذها[مرجع ٢].

ونشأ الجيل الثاني، الذي عاصر حرب البوسنة وكوسوفو خلال التسعينيات، في مرحلة تراجع فيها خطر المواجهة بين القوى العظمى، ولكنَّ التدخل الأمريكي اتسع ليشمل حفظ السلام والتدخل الإنساني وإدارة النزاعات الداخلية. وتجاوزت مهام هذا الجيل القتال إلى حماية المدنيين والتفاوض مع السلطات المحلية وإعادة بناء المؤسسات. في هذه المرحلة، أصبحت الحدود بين العمل العسكري والعمل السياسي أقل وضوحا، وبات الضباط مطالبين بفهم البيئة السياسية والاجتماعية التي يعملون فيها إضافة إلى إدارة العمليات العسكرية[مرجع ٣].

ونشأ الجيل الثالث، جيل الحرب على الإرهاب بعد عام 2001، في ظل حروب طويلة أصبحت فيها هذه المهام جزءا من عمله اليومي، فلم تعد الحرب مواجهة بين جيوش نظامية تُحسم بسرعة، ولا تدخلا لإدارة نزاع داخلي، بل حالة ممتدة يصعب فيها الفصل بين القتال وإدارة المجتمعات المحلية. واضطر ضباط هذا الجيل إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالأمن والحكم المحلي والتفاوض مع القوى السياسية والاجتماعية، فاكتسبوا استقلالية في اتخاذ القرار وخبرة مباشرة بالشؤون السياسية. وعزز ذلك ثقتهم بقدرتهم على تقدير التهديدات، حيث أصبح بعضهم أقل استعدادا لقبول تقديرات القيادات المدنية حين تتعارض مع خبراتهم الميدانية، وأكثر ميلا إلى اعتبار خبرتهم العسكرية أساسا للمشاركة في تحديد الأهداف السياسية نفسها[مرجع ٤].

وعزّز الاستقطاب غير المسبوق الذي شهدته الولايات المتحدة في العقد الأخير، مع صعود ما بات يُعرف بالترامبية، من تسييس هذا الجيل وتورطه في صراعات الشبكات داخل مؤسسات الحكم، وأصبحت هذه الخبرات جزءا من تنافس تحالفات سياسية وأمنية تشارك في تحديد الأخطار وصياغة خيارات مواجهتها. وتقاطعت داخل هذه التحالفات تصورات تشكلت في حروب متواصلة مع مصالح مؤسسات تستمد نفوذها من استمرار التهديدات، وعزز حضورهم المتزايد في هذه الشبكات وصراعاتها تغليب المنظور الأمني في التعامل مع الأزمات، على حساب فرص احتوائها دبلوماسيا.

غواية الحرب والهجوم على إيران

ويجد هذا الميل إلى تغليب المقاربة الأمنية ما يعززه في شبكة الانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، حيث تتيح القواعد والقوات وشبكات الإمداد تحويل هذه التصورات إلى عمليات عسكرية، فتتقاطع تحولات صناعة القرار مع بنية تحتية دائمة للحرب تجعل اللجوء إلى القوة خيارا حاضرا باستمرار، بل ومغريا أحيانا. وبلغ عام 2024 عدد القواعد والمواقع العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة 128 قاعدة وموقعا في 51 دولة، تتوزع على أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، ضمن شبكة تشمل القوات والأساطيل والإمداد، إضافةً إلى اتفاقيات تضمن استخدام الموانئ والمطارات في الدول المضيفة[مرجع ٥].

وتتيح هذه الشبكة تطبيق استراتيجية الدفاع المتقدم والتدخل في أزمات بعيدة من دون الحاجة إلى نشر قوات وتجهيزات من البداية، بما قد يولّد ثقة تخلط بين القدرة على بدء الحرب والتحكم في مسارها ونتائجها، فتتراجع الأسئلة المتعلقة بوضوح الأهداف السياسية وتناسب التكاليف مع المكاسب المتوقعة. وتعزز هذا الميل مصالح مرتبطة ببقاء القوات والقواعد التي أصبحت جزءا من بنية البيروقراطية الإمبراطورية التي تغذيها شبكات العقود والتسليح والتموين والصيانة والاستشارات، فضلا عن المسارات المهنية المرتبطة بها، بما يجعل استمرار هذا الوجود مصلحة مؤسسية قائمة بذاتها.

ويمثّل الهجوم على إيران مثالا على ما يتيحه الانتشار العسكري من أدوات تجعل اللجوء إلى القوة خيارا مغريا، ففي منتصف عام 2025، بلغ الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط نحو أربعين ألف جندي، ضمن شبكة إقليمية واسعة من مراكز القيادة والقواعد الجوية ومنشآت الإمداد والمعدات المخزنة، تمتد عبر دول الخليج والعراق والأردن وسوريا ومصر، فضلا عن منشآت ومخزونات عسكرية في إسرائيل[مرجع ٦].

وضمت هذه الشبكة ١٩ موقعا عسكريا تستخدمها القوات الأمريكية، بينها ثمانية مواقع تستخدمها بصورة مستمرة. ويستضيف الأردن نحو أربعة آلاف جندي أمريكي، فيما يقع مقر الأسطول الخامس في البحرين، وتحتضن قاعدة العديد في قطر نحو عشرة آلاف عسكري أمريكي، إلى جانب مركز العمليات الجوية المشتركة لقيادة العمليات وتنسيقها في المنطقة التي تتولى القيادة المركزية مسؤوليتها، وتؤدي منشآت معسكر عريفجان في الكويت دورا في تخزين المعدات وإمداد القوات وتجهيز القوات القادمة[مرجع ٧].

ومن الخطأ حصر الانتشار بالقوات والمنشآت الموجودة داخل دول المنطقة، لأنّها جزء من شبكة أوسع تشمل قوات بحرية تعمل في بحر العرب والمحيط الهندي، ومنظومة عالمية للنقل والدعم والإمداد تتيح جلب التعزيزات ومواصلة العمليات، كما حدث مع حاملة الطائرات أبراهام لينكولن التي أبحرت من منطقة المحيطين الهندي والهادي إلى الشرق الأوسط عشية الحرب، وتتجاوز بذلك القدرة العسكرية المتاحة ما هو موجود في المنطقة إلى ما تستطيع هذه الشبكة العالمية حشده ودعمه[مرجع ٨].

لقد أُنفقت على مدار عقود مئات المليارات على القواعد والتسليح وشبكات الإمداد والانتشار باسم حماية دول الخليج، ولكنَّ الحرب على إيران برهنت أنّ البنية العسكرية نفسها أصبحت شرطا يسهّل حربا تهددها. حصل ذلك على الرغم من مصلحة هذه الدول في تطوير علاقاتها مع إيران، ولا يرتبط ذلك فحسب في إدراكها لخطورة الحرب على اقتصاداتها، بل بما يتصل أيضا بعلاقات تاريخية ومصالح مشتركة تجعل استقرار العلاقة مصلحة مباشرة لجميع الأطراف. وتحتفظ عُمان بعلاقات دبلوماسية تاريخية مع إيران تمتد لأكثر من خمسة عقود، فيما تجمع قطر بإيران اشتراكهما في حقل الشمال، الذي يُعرف امتداده الإيراني باسم “بارس الجنوبي”. وبلغت الصادرات الإماراتية إلى إيران 20.8 مليار دولار، مقابل واردات بقيمة 6.6 مليارات دولار، خلال السنة المالية الإيرانية المنتهية عام 2024[مرجع ٩].

وحصل ذلك أيضا على الرغم من مبادرات إيرانية تواصلت على مدار ثلاثة عقود لبناء ترتيبات أمنية إقليمية تخفف هذا الاعتماد، بدءا من عهد الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني في التسعينيات، وانتهاءً بطرح محمد جواد ظريف “منتدى الحوار الإقليمي” عام 2017، ومبادرة حسن روحاني “هرمز للسلام” عام 2019، لكن من دون جدوى. ففي عهد رفسنجاني، لم يكن هذا الأمر واردا في ظلِّ الصدمة العميقة التي خلّفها الغزو العراقي للكويت، فيما ترسخت لاحقا شبكة انتشار عسكري أصبح للمؤسسات القائمة عليها مصلحة في استمرارها، تتجاوز حسابات العلاقة بين إيران وجيرانها الخليجيين.

يكشف قرار الحرب على إيران، بهذا المعنى، تحولا تدريجيا تتشكل معه ملامح إمبراطورية يقودها الضباط، حيث تتداخل التصورات الأمنية الناتجة عن الحروب المتواصلة مع شبكات المصالح السياسية والعسكرية وبنية انتشار عالمي تجعل استخدام القوة خيارا حاضرا باستمرار. ومع تراجع القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على نفسها بوصفها القوة القائدة للنظام الدولي، وتصاعد الاستقطاب والصراع بين شبكات النفوذ داخل مؤسسات الحكم، باتت نزعاتها العدوانية الداخلية أكثر قابلية للتصدير، حتى حين تكون كلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على العالم بأسره هائلة.

المصادر والإحالات

  1. Eli Clifton and Ian Lustick, Israel’s Lobby: America in the Grip of a Foreign Power, Atria/One Signal Publishers, 2026.
  2. Edward Cox, Kent W. Park, Rachel M. Sondheimer, and Isaiah Wilson III, “Growing Military Professionalism Across Generations,” Military Review, September 2011, pp. 34-42.
  3. Ibid.
  4. Ibid.
  5. Luke A. Nicastro and Andrew Tilghman, U.S. Overseas Basing: Background and Issues for Congress, Congressional Research Service, R48123, July 10, 2024.
  6. Associated Press, “How the US Has Shifted Military Jets and Ships in the Middle East,” June 17, 2025; Nicastro and Tilghman, U.S. Overseas Basing.
  7. Nicastro and Tilghman, U.S. Overseas Basing; Congressional Research Service, Jordan: Background and U.S. Relations, RL33546, May 19, 2025; Near East South Asia Center for Strategic Studies, The State of US-Qatari Relations, September 24, 2025.
  8. U.S. Transportation Command, United States Transportation Command Factbook; U.S. Army, “Senior Military Leaders Tour Army Prepositioned Stock at Camp Arifjan, Kuwait,” April 2021; U.S. Air Forces Central, “Combined Air Operations Center (CAOC),” official fact sheet.
  9. Istituto Affari Internazionali, Mediterranean Transitions from the Gulf to the Sahel: The Role of Italy and the EU.

ابقَ على اطلاع دائم بأهم التحديثات

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تقرّ بأنك قد اطّلعت على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام وتوافق عليهما
Add a comment Add a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous Post

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق: ٤ تحدّيات لمشروع حصر السلاح

Next Post

أمريكا المنكفئة: إعادة التفكير بأمن الخليج