تشكّل الضربات على المطارات والمنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي كانت تستعد فيه لاستضافة مؤتمرات للطاقة والاستثمار، إضافة إلى الفعاليات الترفيهية المرتبطة بموسم الرياض، أحدث علامات اهتزاز الواقع الأمني والاقتصادي في الخليج منذ نهاية فبراير الماضي.
في الأيام ذاتها التي تعرضت فيها المطارات السعودية للضربات الصاروخية، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول إنه يدرس الانضمام إلى الضربات السعودية على جماعة الحوثيين.
تختصر هذه اللحظة مأزق التحالف الخليجي الأمريكي بعد حرب إيران، فـ”الحامي” صار يحسِب كلفة الحماية، و”المحمي” يتمسك بها لأنه لا يجد بديلا منها، في الوقت الذي أصبح تصدير النفط، وهو أساس الرخاء الخليجي، أمرا صعبا ومكلفا، وغير مضمون.
بدأ حساب تكلفة الحماية ومراجعة طبيعة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي داخل وزارة الحرب الأمريكية نفسها، فالبنتاغون يدرس طبيعة وجوده العسكري في المنطقة بعد الحرب، ومن ذلك جدوى إعادة بناء القواعد التي أصابتها الضربات الإيرانية، وإمكان نقل جزء من القوات غربا بعيدا عن مدى الصواريخ. يميل مسؤولون كبار إلى تقليص الوجود في عدد من دول الخليج، وتحميل الشركاء الإقليميين عبئا أكبر في الدفاع عن أنفسهم.
النقاش في الولايات المتحدة يتسع في الدوائر السياسية والأكاديمية والإعلامية، وهناك من يدعو إلى إغلاق القواعد الواقعة في مدى الصواريخ الإيرانية، ومن يرى أن القواعد لا تمثل ضمانة دفاعية للدولة المضيفة، وأن الخروج منها خيار أفضل للولايات المتحدة.
يعزز نقاشات الكلفة هذه صعودُ اليسار الليبرالي واليمين الانكفائي في الحياة السياسية الأمريكية، ورغم اختلاف الطرفين في عدد من القضايا الداخلية، إلا أنهما يتقاطعان – كل لأسبابه – عند رفض الاتجاه التدخلي، والانخراط العسكري في مناطق مختلفة من العالم، وتحديدا في منطقتنا، وهو أمر يتجاوز تسريع التحوّل في العلاقة الأمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي إلى تغيير طبيعة العلاقة الدفاعية “المقدسة” مع إسرائيل نفسها، التي يُجمع الطرفان على رفض دعم حروبها في الإقليم.
كان يُفترض أن تدفع هذه المراجعة الدول المحمية إلى إعادة النظر في رهانها، غير أن غالبية دول مجلس التعاون الخليجي ما زالت متمسكة بالمظلة الأمريكية رغم أن الحرب كشفت حدودها.
لقد رفضت واشنطن طلبات سعودية متكررة بضرب جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، وتراجع ترامب عن ضربات كانت مقررة، وجرت اتصالات مباشرة بين مسؤولين أمريكيين وجماعة الحوثيين في سلطنة عُمان.
مع ذلك، لم يتحول الإحباط السعودي والخليجي من الشريك الأمريكي إلى تغيير في طبيعة التوقعات من العلاقة الأمنية والدفاعية، فصفقات التسلّح ما زالت قائمة، وما زالت السعودية تطمح إلى معاهدة دفاعية على غرار حلف شمال الأطلسي يصادق عليها مجلس الشيوخ في الكونغرس الأمريكي.
تبقى القوة العسكرية الأمريكية في الحساب السعودي أمرا لا غنى عنه، مع أن العلاقة لا تحمي المملكة من الهجمات، ولا تضمن أن تتصرف واشنطن وفق أولوياتها. يعود هذا التمسك في جانب كبير منه إلى أن البدائل المطروحة لم تثبت قدرتها على التعويض، بالإضافة إلى أن استمرار الولايات المتحدة قوة عظمى يعني استمرار التعويل عليها أمنيا ودفاعيا.
تَكرر أخيرا الحديثُ في دول مجلس التعاون الخليجي عن تنويع الشراكات الأمنية، لكن هذا التنويع كان قائما بالفعل، فهذه الدول توزع مشترياتها من السلاح منذ عقود بين حلفاء غربيين متعددين، من دون أن يمسّ ذلك اعتمادها الأمني الأساسي على واشنطن.
وقد ظهر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران “حجم” هذا التنويع على الأرض، فعلى الأراضي السعودية مثلا ظهرت بطارية باتريوت يونانية وسلاح جوي أوروبي، وتمّت زيادة التنويع باستضافة آلاف الجنود الباكستانيين.
في الدول الأخرى، ظهرت قوات من جنسيات متنوعة أيضا، وكلّهم حلفاء لواشنطن أو قريبون منها، ومع ذلك استمرت الهجمات ولم يردعها تنويع الشراكات الأمنية. تبدو حالة الإمارات أوضح، إذ اجتمعت فيها قوات أمريكية وفرنسية وأسترالية ومنظومات إسرائيلية، وبقيت الدولة الأكثر استهدافا أثناء الصراع الساخن بين الولايات المتحدة وإيران بين فبراير وأبريل الماضيين.
جاءت اتفاقية مكة الدفاعية مع باكستان وتركيا في أغسطس الماضي، لتعمل على إيجاد نوع من الالتزام التعاقدي تحت عنوان “حلف مكة”، إذ نصّت على أن الاعتداء على أحد أطرافها اعتداء على الجميع. لكن الشريكين رسما حدود هذا الالتزام عند أول اختبار، إذ أعلنت أنقرة أن الاتفاقية دفاعية، وأنها لن ترسل قوات إلى أرض دولة أخرى لشنّ هجوم، وأن مساهمتها ستتركز في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم التقني، كما أكدت إسلام أباد أن ردّا عسكريا على الحوثيين ليس قيد النقاش، وإن أبدت استعدادا للدفاع عن الأراضي السعودية، فلها حدود طويلة مع إيران وتلعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران.
كما أن لتركيا أولويات أخرى في سورية وأماكن أخرى، إضافة إلى الأولويات الداخلية للبلدين وحساسية التدخل العسكري بالنسبة لهذه الأوضاع.
النتيجة أن أيّا من الشركاء الجدد لم يُبدِ استعدادا لخوض معارك دول مجلس التعاون الخليجي في اليمن أو مع إيران، فبقي العبء الأكبر على واشنطن، والتي يمكنها أن تكون فاعلة أكثر في هذا الأمر مقارنة بغيرها، أوّلا لتفوقها العسكري، وثانيا لأن لها، عكس الآخرين، مصلحة تدفعها للدفاع عن أمن هذه الدول، لأنها قوة عظمى تسعى لتأمين هيمنتها.
لكن هذا الدافع بات مكبوحا بأمرين:
أوّلهما ميل مُنظّري الدفاع في الإدارة الحالية (وأبرزهم إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب للسياسات) إلى إعادة توزيع الموارد العسكرية حول العالم ضمن هدف تأمين الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي تحديدا، ومنع الصين من الهيمنة على آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، بما يعني التخفّف من الوجود العسكري في المنطقة العربية.
الأمر الثاني هو انكشاف حدود قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الردع وتأمين دول مجلس التعاون الخليجي، وتراجع قدرتها على تحمّل هذا العبء تتضح في أزمة مضيق هرمز.
تحاول الولايات المتحدة في مضيق هرمز تأمين عبور النفط عبر مرافقة الناقلات ومواكبتها جوا، لكن الهجمات على السفن بلغت مطلع أكتوبر 2026 أعلى مستوى أسبوعي منذ بدء الحرب رغم هذا الحضور الأمريكي، وانخفض الخام العابر للمضيق، وزادت أسعار النفط، وامتدت الضربات إلى خليج عُمان، حيث تقع منافذ الالتفاف على المضيق. بالرغم من محاولات الإيحاء بنجاح عمليات تجاوز الرقابة الإيرانية للمضيق، إلا أن الحلول المُطبقة غير قابلة للاستدامة لارتفاع كلفتها.
إن تأمين عبور النفط في هرمز بالصورة التي يسوّق لها الإعلام الأمريكي تتطلب جهدا عسكريا كبيرا، وإنفاقا مرتفعا، بنتائج غير مضمونة، ويرجَّح أن يغذي ذلك حسابات الكلفة نفسها التي يجري النقاش حولها في واشنطن.
لا تقف المشكلة عند هرمز، ففي البحر الأحمر دانت السيطرة على باب المندب لقوات الحوثيين، وكانت قبل ذلك قد منعت الناقلات السعودية من عبوره، فصار أمام الخليج ممران مهددان، أحدهما لم تنجح المظلة في تأمينه رغم المحاولات المكلفة، والآخر امتنعت واشنطن حتى الآن عن خوض المعركة فيه.
يلتقي هنا الأمن بالاقتصاد، فدول الخليج تعوض جزءا من الخسارة بمضاعفة التحميل من موانئ خليج عُمان والبحر الأحمر، ما يجعل خروج نفطها معلقا بمنافذ ضيقة قابلة للاستهداف، وبكلفة لا يمكن التنبؤ بها. ولا يتوقف الأمر على استهداف النقل، الذي لا يعالجه الحديث حول إيجاد طرق بديلة من هرمز، حيث وصل الأمر إلى استهداف الإنتاج ممثّلا بالمصافي والمنشآت.
السعودية مثلا صمدت نسبيا على المستوى الاقتصادي بفضل خط شرق – غرب الذي يصل المنطقة الشرقية بينبع، غير أن هذا الخط نفسه توقّف مؤقتا في سبتمبر الماضي بعد استهداف محطات فيه.
وتَظهر آثارُ ما يجري في اقتصادات دول المجلس، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنكمش اقتصادات الكويت وقطر والبحرين هذا العام بأكثر من 10%، والإمارات بنحو 4%، والسعودية بأكثر من 3%، على افتراض أن تبدأ إعادة فتح المضيق في مارس 2027. ولا يتوقف الضرر عند النفط، فالضربات أصابت الطيران والسياحة، وهي القطاعات التي تراهن عليها خطط التنويع الاقتصادي.
يزيد من ثقل هذه الحسابات أن الكلفة لم تقابلها نتيجة حاسمة، فالحرب لم تحقق أهدافها المعلنة كاملة، وحتى التقييمات الأمريكية الأقرب إلى ادعاءات ترامب بتحقيق منجزات كبيرة ضد طهران تقر بأن القوات الأمريكية أضعفت القدرات العسكرية الأساسية لإيران دون أن تحقق أهم أهدافها.
في الأثناء، يُقدَّر أن مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية تراجع بحوالي الثلثين، وأن إعادة بنائه تحتاج ثلاث سنوات أو أكثر، وتجاوزت كلفة الحرب 37 مليار دولار حتى سبتمبر الماضي، من دون كلفة إعادة بناء القواعد، فيما يرى قرابة ثلثي الأمريكيين أن الحرب لم تكن تستحق خوضها.
تلتقي هذه الخيوط عند نتيجة واحدة، هي أن الحماية الأمريكية للخليج صارت بندا في حسابات الكلفة والعائد داخل واشنطن. ورغم أنه لا يزال للقوة الأمريكية حضور أساسي في القدرة الدفاعية الخليجية، ولا يتوافر بديل جاهز عنها، غير أن شكل المظلة وحدودها، وسقف استعداد أمريكا لخوض معارك الآخرين آخذ في التغيّر.
بَنَت دول الخليج مكانتها على صورة الواحة المستقرة أمنيا واقتصاديا في محيط مضطرب، تُصدّر مصادر الطاقة بانتظام، وتستقطب رأس المال والسياحة والأعمال. عندما يصبح تدفق النفط موضع شكّ أو نزاع، تغدو هذه الصورة رهانا يتوقف على أسعار مرتفعة ومسارات التفاف محدودة قابلة للاستهداف، وتتغير معه معادلة الأمن والاقتصاد معا.
من هنا، يفرض الموقف إعادة التفكير في أمن دول مجلس التعاون الخليجي واقتصادها وعلاقاتها بجوارها الإقليمي، وفق معادلات جديدة، خارج إطار عامل الحماية الأمريكي المتراجع.










