تشكّل النظام العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، على أساس ميثاق هيئة الأمم المتحدة، الذي تضمّن القانون الدولي، واحترام اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين والمنشآت المدنية في حالة الحرب. وذلك بقيادة الأطراف التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية.
وتشكّل النظام الداخلي، لهيئة الأمم المتحدة، من جمعية عامة، تتساوى فيها الأمم المشاركة، ويحكمها عمليا مجلس الأمن الذي تشكّل من الدول الكبرى الخمس، أمريكا وفرنسا وبريطانيا و”روسيا” والصين، ومعهم ثمانية أعضاء يُنتخبون في كل دورة.
ويجب أن يُعتبر هذا هو القانون الذي تأسّس عليه النظام العالمي الذي ساد حوالى ٧٨ عاما.
ولكن، من ناحية واقعية، وخلال عشر سنوات بعد ١٩٤٥، انقسم العالم إلى صراع بين معسكرين كبيرين: المعسكر الأول، أمريكا والغرب (الناتو)، والمعسكر الثاني، الاتحاد السوفياتي، ودول حلف وارسو، إضافة إلى الصين وكوريا الشمالية.
هذا ونما “معسكر” ثالث، أو في الأدّق طرف ثالث، تشكّل من دول مؤتمر باندونغ ١٩٥٥، ثم ما عُرف بدول حركة عدم الانحياز، وغالبيتها من الدول العالمثالثية، التي استقلت حديثا، إضافة إلى يوغوسلافيا.
منذ الستينيات، أصبحت أمريكا القائد المنفرد للمعسكر الغربي، وكانت الدولة الأكبر ورقم واحد عسكريا واقتصاديا ونفوذا سياسيا وإعلاميا وتطورا تكنولوجيّا وعلميّا.
ويُلاحظ، بصورة خاصة في هذه المرحلة، حدوث اختراقات كثيرة للقانون وميثاق هيئة الأمم المتحدة، وخصوصا من جانب أمريكا. ولكن بقي الاعتراف بالقانون الدولي وهيئة الأمم قائما، ولو من الناحية الرسمية والشكلية، مع استهتار شنيع، عمليا، وممارسة فظة، لا سيما من أمريكا، والكيان الصهيوني، كما في المرحلة الاستعمارية الأوروبية.
هذا ما يميّز مرحلة ما سمّي بالحرب الباردة، وحتى مرحلة النظام أحاديّ القطبية، الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعسكر وارسو ١٩٩١، مقارنة بالمرحلة العالمية الراهنة، التي يمكن اعتبار بدايتها من النظام العالمي الذي ساد خلال الثلاث سنوات الماضية. وذلك بالمداميك التي كرّس ترسيخها كل من ترامب ونتنياهو. وقد أعلنا، عمليّا، إسقاط القانون الدولي، وضرورة إنهاء هيئة الأمم المتحدة. وتشريع قانون حكم القوّة والعنف، بأقصى تجلياتهما، فكان النظام العام الذي ساد خلال السنوات الثلاث الماضية، منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة، وما مارسه ترامب من سياسات منذ سنتين، في ما عبّرت عنه الحرب في غزة ولبنان وإيران.
فالنظام العالمي الذي نعيش فيه اليوم، يتسّم بإعلان “حق” أمريكا في تقرير النظام الذي تريده، اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، والقائم على أسس التفوّق العسكري، وممارسة ألوان العقوبات، على كل من يخالف ما يطلبه ترامب، وما يعتبره من حقه. بل ما يضمّه ليصبح تحت اسمه، أو تحت اسم أمريكا، من حقوق الدول الأخرى.
والأمثلة هنا كثيرة، تبدأ بمطالبة ترامب ضم كندا إلى أمريكا، والاستيلاء على غرينلاند، وعلى نفط فنزويلا بعد اعتقاله لرئيسها. ناهيك عما يفرضه من جمارك وتعديّات مالية؛ يعني أن له حق السطو على كل ما تصل إليه يداه في العالم، والحق في الاعتداء أو انتهاك كل ما يعتبره حقا دوليا لأيّة دولة يمكن استضعافها. وقد أباح مؤخرا حق استخدام “أم القنابل” التي تصل خطورتها إلى أقل بقليل من القنابل النووية التكتيكية المحرمّة دوليا.
ومن هذا النظام العالمي الجديد الذي شرّعه ترامب للعالم، يجب أن يُنسَب كل ما مارسه نتنياهو من إبادة وحروب إجرامية وحشية ضدّ غزة والضفة وجنوب لبنان وإيران، إلى نهج ترامب وإلى نهج نظامه العالمي.
من المؤكد أن هذا النظام العالمي، الذي راح ترامب يرسّخه، يتناقض مع القانون الدولي، والأعراف الدولية، ومصالح كل دول العالم، وشعوبه. وبهذا يمكن اعتبار ترامب، معزولا دوليا، وإن لم يواجَه من غالبية دول العالم بالرفض، أو المعارضة، أو المقاومة، لأن مواجهته، من كل دولة منفردة، وعلى حدة، سيفرض عليها السكوت، إن لم يكن الخضوع، تجنبا لأذاه، كما حدث مع دول أخرى عارضته أو رفضت موقفه فعاملها بعقوبات اقتصادية وتهديدات سياسية، إن لم يصل بها إلى ما وصلته فنزويلا من اعتقال رئيسها ومصادرة نفطها.
أما الدول العظمى، التي يُفترض بها أن تصطدم معه، كالصين وروسيا، فتفضل تجنّب الصدام، وتجنّب خوض صراع معه، وتركه يتورّط في حروب، نتيجتها إلحاق الخسائر بأمريكا، كما هو الحال مع إيران ودول محور المقاومة. وهو موقف أقرب إلى السلبية في مواجهة ترامب.
فالوضع العالمي يتسّم في هذه المرحلة بـ:
(١) وجود دول كبرى بعيدة من التصادم بينها وبين أمريكا علنا، كالصين وروسيا، ولكن الجمر تحت الرماد. لأن التناقض الرئيس الاستراتيجي في العالم يتّسم بالتناقض الأمريكي – الصيني، في صراع يتّجه إلى تقرير مَن الدول الرقم واحد في العالم، أو يتّجه إلى نشوء وضع عالمي يتّسم بفقدان أمريكا دور القطب الواحد والمسيطر، أو مَن رقم واحد في قدرته الاقتصادية، والعلمية، والتكنولوجية، والعسكرية، وسباق الذكاء الاصطناعي، والنفوذ السياسي الدولي، وصولا إلى نشوء نظام دولي متعدّد القطبية، ويستند إلى القانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة عموما (طبعا مع بقاء تعدّيات واختراقات محدودة، لا مفرّ منها، ما دام ثمة دول كبرى).
(٢) حرب عالمية تشنها أمريكا والكيان الصهيوني ضدّ إيران، وقد أسفرت خلال العام ٢٠٢٦ عن عدّة جولات من العمل العسكري والمواجهة، واستطاعت إيران الصمود والانتقال إلى ما يُشبه الندّية في تقرير مصير الحرب الجارية منذ ٢٨ فبراير ٢٠٢٦. وهو مصير لم يتقرّر المنتصر فيه، بالرغم من غلبة توقع انتصار إيران وتراجع ترامب والكيان الصهيوني، بل التأكّد من رجحان ذلك.
(٣) ثمة جملة من المواجهات العسكرية، على مستوى المواجهة بين الكيان الصهيوني وكل من غزة والضفة الغربية ولبنان، مما يؤزّم الوضع الإنساني والعسكري والسياسي، بسبب اعتداءات الجيش الصهيوني، والاحتلال وعمليات التدمير والإبادة.
هنا يجب التأكيد، على الرابطة العضوية، بين هذه المواجهة ومصير الحرب بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى.
أما من ناحية ثانية، فيجب أن يُشار إلى أن الحرب بين “أنصار الله” في اليمن والسعودية، تشكّل بُعدا إقليميا سلبيا، في غير مصلحة اليمن والسعودية، وإيران وتركيا، وباكستان ومصر، ودول الخليج العربي. وهو ما يدعو، إلى سرعة التدخل الإقليمي، لإطفاء نيران هذه الحرب.
(٤) إن الوضع العام الذي نجم عن الحرب التي شنت ضدّ إيران في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، وعلى التحديد الحرب واستمرارها، أدّى إلى نشوء أزمة اقتصادية عالمية، أثرّت سلبيا في كل دول العالم وقاراته. وقد وصلت هذه الأزمة، مع إغلاق مضيق هرمز وتحوّله مركزا للمواجهة القتالية بين أمريكا وإيران، إلى اقتراب اندلاع أزمة ركود اقتصادي عالمي، مما يتهدّد النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي بأخطار شبيهة لما حدث من أزمة في ١٩٢٩-١٩٣٠ (الثلاثينيات). وهو ما يذهب بأمريكا إلى الهزيمة شبه الكاملة، ما لم يصر إلى تلافي تداعيات هذا التصعيد العسكري واستمرار الحرب نفسها. وإلاّ تكون أمريكا تحفر “قبرها” بظلفها.
ما تقدّم، يشكّل محاولة أولية متعجّلة، في قراءة الوضع العالمي، في مرحلته الراهنة، التي تمثل بعمومها مرحلة انتقال بين مرحلتين عالميتين. وهي مرحلة ما زالت في حالة تطوّر، وتشكّل، ولم تنضج بعد.









