Dark Mode Light Mode

نتنياهو.. من “الجدار الحديدي” إلى “المسادا”

(الفرنسية)

كُتب هذا المقال وإسرائيل على أبواب انتخابات الكنيست الـ٢٦، المقررة في ٢٧ أكتوبر. وقد يكون بنيامين نتنياهو، حين تصل هذه الصفحات إلى القارئ، ما يزال رئيسا للحكومة، وقد لا يكون. لكن المقال لا يحاول التنبؤ بنتيجة الانتخابات ولا كتابة خاتمة سياسية لرجل لم تنتهِ قصته بعد. فالسؤال الذي ينطلق منه أبعد من مصير نتنياهو الشخصي: ماذا يبقى من النتنياهويّة بعد نتنياهو؟

وقبل عام من هذه الانتخابات، منحت حكومته الحرب على غزة اسما جديدا: “حرب النهضة” (ملحيمت هتكوما)، وهي تسمية تستدعي في الذاكرة القومية الإسرائيلية النهوض بعد المحرقة وقيام الدولة عام ١٩٤٨. وجاء ذلك فيما كان عدد الشهداء الفلسطينيين قد تجاوز ٧٣ ألفا، وفق وزارة الصحة في غزة. لم يكن تغيير الاسم، في هذا السياق، تفصيلا إداريا؛ فقد وضع الحرب ضمن سردية أوسع، تتجاوز الرد على السابع من أكتوبر واستعادة الردع، وتقدمها بوصفها لحظة تأسيسية جديدة في تاريخ إسرائيل.

يكثر في الكتابة العربية تفسير ما فعله نتنياهو منذ السابع من أكتوبر بدوافع شخصية خالصة: الهروب من المحاكمة، أو الغرور، أو “الجنون”. وفي هذه التفسيرات جزء من الحقيقة. فرجل يُحاكَم منذ مايو ٢٠٢٠ بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ويطلب العفو من رئيس الدولة من دون أن يعترف بشيء، لا يمكن أن يكون منزّها عن حسابات النجاة. لكن من يبحث عن النجاة من المحكمة وحدها لا يحتاج إلى أن يسمي حربه باسم مقدس، ورجل “مجنون” لا يختار الاسم بهذه الدقة. أما رجل يرى نفسه منذ أربعة عقود الحارس الأخير لشعب مهدد بالإبادة، فهذا بالضبط الاسم الذي يختاره. وعند نتنياهو لا تتنافس المصلحة الشخصية والعقيدة؛ إحداهما تغذي الأخرى. فمن يؤمن بأنه وحده القادر على منع “محرقة قادمة” يصبح بقاؤه في الحكم عنده مسألة أمن قومي.

إرث الكارثة

يبدأ نتنياهو قصته من العائلة، ومن هناك ينبغي أن يبدأ نقده. فالأب بن صهيون ميليكوفسكي، المؤرخ الذي أمضى عقودا في دراسة محاكم التفتيش الإسبانية، انتهى إلى أطروحة تقول إن كراهية اليهود لا تتعلق بما يفعلونه بل بما هم عليه، وإن الاندماج لا ينقذ. ومن هذه الأطروحة تخرج نتيجة سياسية بسيطة: لا قيمة لأي اتفاق مع “الأغيار”، ولا ضمان إلا القوة. وقد عارض بن صهيون قرار التقسيم عام ١٩٤٧، لا لأنه يظلم العرب، بل لأنه لا يعطي الدولة اليهودية أرضا كافية. والجد نتان ميليكوفسكي عارض “خطة أوغندا” عام ١٩٠٣ لأنه خشي أن تنجح، فعدّ التسوية خيانة للأرض.

ثم جاء موت الأخ الأكبر يوني في عنتيبي عام ١٩٧٦، فتحول الحداد الخاص إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى منبر. فقد أنشأت العائلة “معهد يوناتان لدراسة الإرهاب”، ومن مؤتمره في القدس عام ١٩٧٩ بدأت صناعة نتنياهو خبيرا في “الإرهاب” ونجما للتلفزيون الأمريكي. وظل نتنياهو منذ ذلك الحين يرى العالم من نافذة واحدة: اليهود وحدهم، وكل الآخرين أعداء محتملون.

في كتابه “مكان تحت الشمس” (١٩٩٣)، وهو أوضح بيان أيديولوجي كتبه، لم يكتف نتنياهو بمعارضة الدولة الفلسطينية؛ بل نفى وجود الشعب الذي يطالب بها. فالفلسطيني في الكتاب “اختراع” حديث، و”العرب” هاجروا إلى البلاد مع الازدهار الذي جلبته الصهيونية، والأردن “هو فلسطين”، والحدود “القابلة للدفاع” تقتضي الاحتفاظ بالضفة الغربية بوصفها “جدارا واقيا”. أعاد نتنياهو كتابة التاريخ ليخدم الخريطة، ثم قضى ثلاثين عاما يحمل الخريطة نفسها إلى المنابر الدولية. وفي سبتمبر ٢٠٢٣، قبل أسبوعين من السابع من أكتوبر، وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بخريطة “شرق أوسط جديد” لا مكان فيها لفلسطين.

وتقف خلف هذا الكتاب فكرة أقدم منه: “الجدار الحديدي” الذي كتب عنه زئيف جابوتنسكي عام ١٩٢٣. لكن الفرق بين الأستاذ والتلميذ كاشف؛ فقد اعترف جابوتنسكي بأن العرب يقاومون الاستيطان لأنهم شعب، كما قاوم الأزتيك والسيو المستعمرين، أما نتنياهو فيقول إنهم يقاومون لأنهم “إرهابيون”، أي بلا قضية.

حين وقّع إسحق رابين اتفاق أوسلو الأول في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣، ثم “أوسلو الثاني” في ٢٨ سبتمبر ١٩٩٥، كان نتنياهو في مقدمة معارضي المسار. وفي مناخ سياسي بلغ فيه التحريض ضد رابين حد تصويره بالزي النازي واتهامه بالخيانة، اغتيل في ٤ نوفمبر ١٩٩٥. وبعد أقل من سبعة أشهر، فاز نتنياهو برئاسة الحكومة في انتخابات ٢٩ مايو ١٩٩٦.

وفي ولايته الأولى أتقن أسلوبا سيلازمه: توقيع الاتفاقات لتعطيلها. وقّع بروتوكول الخليل في ١٧ يناير ١٩٩٧، ثم مذكرة واي ريفر في ٢٣ أكتوبر ١٩٩٨، فيما ظل تنفيذ أوسلو خاضعا للشروط والتأجيل. وقد كشف بنفسه، في تسجيل صُوّر في مستوطنة عوفرا عام ٢٠٠١، بعد خروجه من رئاسة الحكومة، كيف كان يرى الأمر: تفاخر بأنه أوقف أوسلو عمليا، وقال إن أمريكا “شيء يمكن تحريكه بسهولة”. ونُشر التسجيل عام ٢٠١٠.

عقيدة “اللاحل”

في ١٤ يونيو ٢٠٠٩، ردّا على خطاب باراك أوباما في القاهرة، قال نتنياهو في جامعة بار إيلان إنه يقبل “دولة فلسطينية”. لكن الدولة التي تحدث عنها منزوعة السلاح، بلا سيطرة على أجوائها، تعترف مسبقا بإسرائيل “دولة الشعب اليهودي”، بلا القدس، وبلا حل لقضية اللاجئين، ومحاطة بمستوطنات تنمو. وبعد سنوات قال إنه لا يهتم بالتسميات: «سمّها ما شئت: دولة ناقص، حكم ذاتي زائد»، ما دامت إسرائيل وحدها مسؤولة عن الأمن غرب النهر.

هذا ما سماه أنطوان شلحت “عقيدة اللاحل”: ليس البحث عن حل لم يُعثر عليه، بل الإيمان بأن الصراع لا حل له أصلا، وأن المطلوب إدارته إلى أجل غير مسمى. والإدارة تعني ثلاثة أشياء: توسيع الاستيطان بلا ضجيج، فقد ارتفع عدد المستوطنين في الضفة خارج القدس من نحو ثلاثمئة ألف إلى أكثر من نصف مليون؛ وتجنب الحروب الكبيرة لصالح جولات دورية سماها باحثون إسرائيليون “جزّ العشب”؛ وإبقاء الفلسطينيين منقسمين.

وفي غزة ظهر هذا المنطق بأوضح صوره. ففي جولات ٢٠١٢ و٢٠١٤ و٢٠٢١ لم يكن الهدف إسقاط حكم حماس، بل إضعاف قدراتها واستعادة الردع ثم العودة إلى هدوء مؤقت. وبدت السياسة، لفترة، قابلة للاستمرار. لكنها اعتمدت على افتراض بالغ الخطورة: أن حماس يمكن احتواؤها، وأن الردع قابل للتجديد، وأن الانقسام الفلسطيني يمكن أن يستمر من دون انفجار يعيد تعريف الصراع كله.

وفي الوقت نفسه حاول نتنياهو تجاوز القضية الفلسطينية إقليميا. وجاءت اتفاقات أبراهام عام ٢٠٢٠ لتمنحه أقوى دليل على أطروحته: يمكن إقامة علاقات عربية مع إسرائيل من دون انتظار تسوية نهائية مع الفلسطينيين. سمّى ذلك “السلام مقابل السلام” بدل “الأرض مقابل السلام”. ولم يصنع نتنياهو هذا التحول وحده؛ فقد لعب الخوف المشترك من إيران والمصالح الأمريكية والاقتصادية والأمنية أدوارا حاسمة. لكن النتيجة انسجمت مع رؤيته: لم تعد فلسطين بوابة إلزامية لكل اختراق إقليمي.

دولة على مقاس رجل

في ٢٠١٨ أقر الكنيست “قانون القومية” الذي جعل حق تقرير المصير “حصريا للشعب اليهودي”، ووصفه نتنياهو بأنه “لحظة حاسمة في تاريخ الصهيونية”. وفي ٢٠١٩ رعى بنفسه إدخال ورثة حركة “كاخ” الكهانية إلى الكنيست، ثم جعل إيتمار بن غفير وزيرا للأمن القومي وبتسلئيل سموتريتش وزيرا للمالية ومسؤولا عن الإدارة المدنية في الضفة. وحين قال سموتريتش بعد هجوم المستوطنين على حوارة في فبراير ٢٠٢٣ إن “حوارة يجب أن تُمحى”، لم يُقِله نتنياهو؛ فبقاء الحكومة كان معلّقا عليه.

وفي السنة نفسها أطلق “الإصلاح القضائي” لإخضاع المحكمة العليا، فاندلعت أكبر حركة احتجاج في تاريخ إسرائيل، وحذّر رؤساء الأجهزة الأمنية من أن الانقسام يغري الأعداء. لم يستمع. فقد قدّم محاكمته منذ اليوم الأول “محاولة انقلاب” تديرها “الدولة العميقة” والإعلام “اليساري”، وحوّل مظلومية عائلية قديمة على النخب إلى برنامج حكم. والمفارقة أن الرجل الذي يشكو منذ أربعين عاما من “النخب” حكم إسرائيل أطول مما حكمها أي رجل منها.

انهيار الجدار

قبل السابع من أكتوبر بأسبوعين فقط، وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٣ متحدثا عن اقتراب سلام تاريخي مع السعودية. بدا أن استراتيجيته بلغت ذروتها: إيران هي التهديد المركزي، والتطبيع يعيد تشكيل المنطقة، والفلسطينيون لم يعودوا قادرين على تعطيل المسار الإقليمي.

في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ انهار الجدار الذي قضى نتنياهو حياته يبنيه، حرفيا ومجازيا. فقد قام “التصور” السائد على أن حماس “مردوعة” تريد الهدوء والأموال القطرية، وأن الجدار الذكي يكفي. وكان هذا التصور ثمرة مباشرة لعقيدة “إدارة الصراع”. لم يكن هجوم حماس انهيارا أمنيا واستخباراتيا فحسب، بل انهيارا لافتراض سياسي كامل: أن الصراع يمكن إدارته إلى أجل غير مسمى. فالحركة التي كان يفترض أن الردع يحتويها اخترقت الحدود، وانهار الجدار الذي كان يفترض أن يفصل غزة عن إسرائيل. وبعد سنوات من إدارة حماس بوصفها سلطة ينبغي ردعها، أعلنت الحكومة هذه المرة أن هدفها تدمير قدراتها العسكرية والحكومية.

لكن الحرب كشفت أيضا المشكلة القديمة نفسها: ماذا يأتي بعد القوة؟ رفع نتنياهو شعار “النصر المطلق”، وكرره مئات المرات، من دون أن يقدم لفترة طويلة تصورا سياسيا متكاملا لـ”اليوم التالي”. وهنا عادت معضلة الجدار الحديدي في صورتها الأكثر حدة. فالقوة تستطيع تدمير وإضعاف واحتلال الأرض، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال السياسي المتعلق بمن يعيش خلف الجدار وما المستقبل الذي ينتظره.

ولم تقف الحرب عند غزة. فقد قدّم نتنياهو إسرائيل بوصفها دولة تقاتل على “سبع جبهات”، ممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق والضفة الغربية وإيران، التي انتقلت المواجهة معها بدورها من حرب الظل إلى الصدام المباشر. استطاعت القوة الإسرائيلية أن تضرب خصومها في أكثر من ساحة، لكنها لم تحقق حتى الآن نصرا واضحا في الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر.

ودفع الفلسطينيون ثمن هذا الشعار. ففي ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٣، مع بدء الاجتياح البري، قال نتنياهو للجنود: “تذكّروا ما فعله بكم عماليق”، وهي القصة التوراتية التي يأمر فيها النص بقتل “الرجل والمرأة والطفل والرضيع”، وقد أوردت جنوب أفريقيا العبارة في دعواها أمام محكمة العدل الدولية دليلا على النية. وفي ٢٦ ناير ٢٠٢٤ رأت المحكمة أن حق الفلسطينيين في الحماية من الإبادة “معقول”. وفي أغسطس ٢٠٢٥ أكد التصنيف الدولي للأمن الغذائي وقوع المجاعة في محافظة غزة، بعد أن أغلقت إسرائيل المعابر كليا منذ مارس. وفي سبتمبر ٢٠٢٥ خلصت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية.

وفي ٢١ نوفمبر ٢٠٢٤ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو بتهم منها استخدام التجويع أسلوبا من أساليب الحرب. وفي مواجهة الاتهامات الموجهة إليه، لجأ نتنياهو مرارا إلى سردية أخرى مألوفة في خطابه: الانتقال من موقع المسؤول إلى موقع الضحية. ومن أوضح أمثلتها أنه شبّه نفسه، ردا على المذكرة، بألفرد دريفوس. والتشبيه يكشف آلية دفاعه كلها: دريفوس كان بريئا اتُّهم لأنه يهودي، ونتنياهو حين يضع نفسه مكانه يقول إن كل اتهام موجه إليه اتهام لليهود بصفتهم يهودا. وهكذا تصبح المساءلة عن قتل عشرات الآلاف “فرية دم”، ويصبح المتهم ضحية.

من إسبرطة إلى المسادا

في ١٥ سبتمبر ٢٠٢٥، وفي مؤتمر اقتصادي في القدس، قال نتنياهو ما ظل يتجنب قوله طوال عامين: إن إسرائيل تواجه “عزلة” متزايدة، وإنها قد تضطر إلى التكيف مع “اقتصاد بخصائص الاكتفاء الذاتي”، وأن تصبح “إسبرطة عظمى”. وأضاف: “أنا من أنصار السوق الحرة، لكننا قد نجد أنفسنا في وضع تُحاصَر فيه صناعاتنا العسكرية”. هبطت بورصة تل أبيب بعد الخطاب، ووصف الاقتصادي مانويل تراختنبرغ، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني، الفكرة بأنها “عودة إلى العصر الحجري”، فيما قارنها النائب رام بن براك بنموذج كوريا الشمالية. وفي اليوم التالي تراجع نتنياهو، قائلا إن كلامه أُخرج من سياقه وإن الاقتصاد الإسرائيلي “قوي جدا”.

لكن الجملة قيلت، وربما كانت أصدق من التراجع عنها. فالرجل الذي قدّم نفسه، وزيرا للمالية، رسولًا للسوق المفتوحة، وصاحب استعارة “الرجل النحيف” الذي يحتاج إلى “الأكسجين”، صار يهيئ الإسرائيليين لاحتمال اقتصاد الثكنة. والسفير الذي بنى جانبا كبيرا من مسيرته على قدرته على مخاطبة العالم، صار يطلب من مواطنيه الاستعداد للعيش من دونه. وإسبرطة، المدينة اليونانية التي أخضعت التربية والمجتمع والاقتصاد لمنطق الحرب، ليست استعارة بريئة هنا. إنها تعني، إذا أُخذت إلى نهايتها، أن “الجدار الحديدي” لم يعد يكفي، وأن الدولة نفسها مطالبة بأن تصبح الجدار.

لكن هذا النموذج يصطدم بإسرائيل الفعلية من كل جانب. فاقتصادها يقوم إلى حد بعيد على التكنولوجيا المتقدمة والأسواق والاستثمارات والشبكات العالمية، فيما تعرض تصنيفها الائتماني لضغوط غير مسبوقة خلال الحرب، ويُستدعى جنود الاحتياط مرة بعد أخرى. وفي الوقت نفسه، ظلت قضية إعفاء الحريديم من التجنيد تهدد تماسك الائتلاف نفسه. وهنا تظهر مفارقة “إسبرطة” النتنياهويّة: دولة يُطلب من جزء من مجتمعها الاستعداد لحرب طويلة، بينما يصبح إخضاع جزء آخر للعبء العسكري مسألة قد تهدد بقاء الحكومة. حتى خطاب البقاء “الوجودي” للدولة يصطدم، عند هذه النقطة، بحسابات بقاء الائتلاف.

وفي ظل “إسبرطة” تلوح صورة أقدم وأشد قتامة في الذاكرة الإسرائيلية: المسادا. فالقلعة التي انتهى حصارها الروماني، بحسب رواية يوسيفوس، إلى “الانتحار الجماعي” للمحاصَرين بدل الاستسلام، تحولت لاحقا إلى رمز صهيوني للصمود ورفض السقوط. ومن هنا جاءت أيضا “عقدة المسادا” بوصفها استعارة سياسية لعقلية القلعة المحاصَرة: العالم ضدنا، والأعداء يحيطون بنا، والعزلة ليست بالضرورة دليلا على فشل السياسة، بل قد تصبح دليلا إضافيا على أننا وحدنا في مواجهة الخطر.

وهنا تلتقي المسادا بالنتنياهوية. فنتنياهو لم يصنع وحده هذا التصور، لكنه أعاد تنظيمه، ومنحه لغة قادرة على مخاطبة الغرب، ونقل كثيرا من أفكاره من أطراف السياسة الإسرائيلية إلى مركزها. وفي قلبه تصور للعالم يقوم على أن إسرائيل محاصرة، والفلسطينيين تهديد دائم أكثر منهم شعبا له حقوق سياسية، والقوة هي الضمانة الأخيرة للبقاء. ولذلك فإن الرهان العربي على أن تغيير رئيس الحكومة وحده سيغيّر السياسة الإسرائيلية يخطئ في تقدير عمق التحول الذي حدث.

فماذا يبقى من النتنياهوية بعد نتنياهو؟ يبقى ما عبّر عنه تصويت ثمانية وستين عضوا في الكنيست حين رفضوا قيام دولة فلسطينية وعدّوها “خطرا وجوديا”. ويبقى منطق يرى في كل حرب سببا لمزيد من القوة، وفي كل عزلة سببا لمزيد من التحصن. وهكذا تتكون دائرة مغلقة: الحرب تعمّق العزلة، والعزلة تؤكد سردية الحصار، والحصار يبرر مزيدا من القوة، والقوة بلا أفق سياسي تنتج حربا جديدة.

لهذا فإن الطريق من “إسبرطة” إلى “المسادا” أقصر مما يبدو. إسبرطة هي الوعد: دولة محاربة، قوية، مكتفية بذاتها، لا تحتاج إلى العالم لكي تدافع عن نفسها. أما المسادا فهي النهاية الكامنة في هذا الوعد حين يُدفع إلى أقصاه: قلعة مدججة بالسلاح، لكنها معزولة، تضيق علاقاتها الخارجية وتتقلص أمامها مخارج السياسة حتى يصبح الصمود داخل الأسوار غاية في ذاته. وما بدأ بوصفه عقيدة للبقاء يمكن، في صورته القصوى، أن يتحول إلى عقيدة حصار.

وقد يُذكّر المؤرخ بأن إسبرطة لم تفقد مكانتها لأن جيشها كان بلا قيمة، بل لأن المجتمع الذي أقام تفوقه على العسكرة لم يستطع الحفاظ إلى الأبد على الشروط الاجتماعية والديموغرافية التي حملت ذلك التفوق. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: القوة العسكرية تستطيع شراء الوقت، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الشرعية أو الاقتصاد أو المستقبل.

وبهذا المعنى، تبدأ النتنياهوية بـ”الجدار الحديدي”، وتَعِد الإسرائيليين بـ”إسبرطة”، لكنها قد تنتهي بهم إلى “المسادا”. وليس المقصود أن التاريخ سيكرر حرفيا نهاية القلعة القديمة، بل أن المنطق السياسي الذي يحوّل العالم كله إلى عدو، والتسوية إلى ضعف، والعزلة إلى فضيلة، يمكن أن يجعل الدولة أسيرة حصارها الذي ساهمت هي نفسها في صنعه. وعندها تصبح مفارقة المسادا أكثر قسوة: أن تمتلك القلعة من السلاح ما يكفي لردع أعدائها، لكنها تفقد، واحدا بعد آخر، أبواب الخروج من الحصار، حتى يصبح “الانتحار الجماعي” استعارة للنهاية التي كان يفترض بكل تلك القوة أن تمنعها.

ابقَ على اطلاع دائم بأهم التحديثات

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تقرّ بأنك قد اطّلعت على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام وتوافق عليهما
View Comments (1) View Comments (1)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous Post

ماذا يجري في فرنسا؟

Next Post

حرب أعصاب أم حرب وشيكة؟