Dark Mode Light Mode

ماذا يجري في فرنسا؟

(الفرنسية)

منذ نحو شهر، تشهد البلاد موجة من التظاهرات الحاشدة التي تجتاح مختلف أنحاء فرنسا.
“اجتزتُ العام الماضي امتحان اللغة الفرنسية في شهادة البكالوريا من دون أستاذ للغة الفرنسية”. “خلال موجة الحر في نهاية العام، لم تكن لدينا حتى مروحة واحدة في كل صف، أما في الشتاء، فنحن نتجمّد من شدة البرد إلى درجة أن الأستاذ يسمح لنا بالاحتفاظ بمعاطفنا أثناء الدرس”. “أما الطعام في المقصف، فلا يمكن أكله؛ لقد وجدنا حتى ديدانًا في بعض الأطباق”.

هكذا يتحدث تلامذة في المدارس الثانوية والإعداديات. فمنذ شهر، تهزّ البلاد تظاهرات حاشدة، انطلقت أولا من الإعداديات، إلى الثانويات، قبل أن تصل العدوى إلى الطلاب الجامعيين الذين يواجهون بدورهم ظروفا معيشية تزداد هشاشة يوما بعد يوم، تفصح عن ذلك أعداد المنتحرين من الطلاب، التي يصعد خطها البياني عاما بعد عام.

كانت هذه التظاهرات في بدايتها سلمية تماما، واتخذت طابعا احتفاليا واسعا. وقد أظهر الشباب خلالها قدرا من الابتكار وروح التضامن أثارا دهشة جميع المراقبين. كما فرض المتظاهرون احترامهم بفضل إصرارهم وشجاعتهم الكبيرة في مواجهة الشرطة. ومن البديهي أن تكون المدارس الإعدادية والثانوية في المناطق الأكثر حرمانا هي التي نزلت إلى الشوارع، ولا سيما تلك التي يقطنها بأعداد كبيرة المتحدرون من المهاجرين القادمين من المستعمرات السابقة، وهي المدارس الأقل حظا من حيث الإمكانات. ومن أبرز هذه المدارس ثانوية إدوار في سان دوني، وثانوية سانت إكزوبيري في كريتاي.

كيف يمكن تصوّر أن يُضطر التلامذة إلى الإضراب للمطالبة بحقوق طبيعية وأساسية كهذه، تتعلق بأبسط شروط الحياة المادية، كنقص المدرّسين، وتهالك المؤسسات التعليمية، والنظافة؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن فهم أن الحكومة لا تبدي أدنى إشارة إيجابية، وأنها تبدو منشغلة حصرا بالقمع؟ إن ما أقلق النظام الفرنسي إلى أقصى الحدود، يتمثل في أن هذه الحركة غير المسبوقة انتشرت كالنار في الهشيم، ولاقت صدى فوريا وتضامنا فاعلا لدى تلامذة مدارس ميسورة في وسط باريس، بل وحتى لدى تلامذة مدارس تنتمي إلى الفئات الأكثر ثراء مثل ثانوية “هنري الرابع” إحدى أعرق الثانويات في فرنسا، والجامعة الكاثوليكية، وثانوية “ستانيسلاس”،إحدى المدارس الخاصة المفضلة لدى أكثر شرائح البرجوازية الباريسية ثراء ونفوذا.

إن إقامة حاجز من التلامذة أمام مدرسة “ستانيلاس” أمر لم يسبق أن شهدناه، حتى في ذروة الثورة الطلابية عام ١٩٦٨. للمرة الأولى في تاريخ فرنسا، نشهد تقاربا سياسيا في الشارع وفي العراك مع النظام وشرطته، بين الشباب البيض في مراكز المدن الفرنسية الكبري والثرية وأبناء الطبقة المتوسطة، وبين الشباب السود والعرب في الأحياء الفقيرة والضواحي المعدمة، لخوض معركة مشتركة حول شعارات واحدة ومطالب اقتصادية، ولكن ليس فحسب؛ حضرت غزة وفلسطين بقوة في المسيرات وعلت صفوفها شعارات ولافتات تندد بالإبادة الجماعية في غزة وبالتعاون الذي جمع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إسرائيل، فضلا عن شعارات تندد بإسلاموفوبيا الدولة وقوانينها. وكانت إحدى اللافتات التي تردّد مضمونها على نطاق واسع تقول: “اهتمّوا بجرائم الاغتصاب، لا بالحجاب”. وثمة نقطة مهمة أخرى؛ مع اتساع الاشتباك في الشوارع تنحو الأزمة الى التحول إلى أزمة وطنية شاملة، وربما إلى أزمة نظام إذا ما تواصلت التظاهرات والاشتباكات، تتجاوز إطار المطالب المدرسية لتطال النظام برمّته.

ومع يوم التعبئة الجماهيرية الكبير في 17 أكتوبر، الذي انطلق على شبكات التواصل الاجتماعي استجابةً لدعوة غامضة أطلقها أشخاص من حركة “السترات الصفراء” السابقة، نشأ هذه المرة تقارب مع متظاهرين أكثر خبرة في الاحتجاج. وفعليا، اتخذت الأحداث منحى أكثر خطورة.

ففي باريس، تمكّن مثيرون للشغب من الوصول إلى محيط قصر الإليزيه. واستهدفت أعمال نهب واسعة النطاق متاجر تحمل علامات تجارية مرموقة، مثل “إيف سان لوران” و”غيرلان”، لكنها طالت أيضا متاجر غذائية وبقالات بسيطة في الضواحي، أمارة أن البؤس الاجتماعي في فرنسا ليس خرافة. كما تعرّض مبنى بلدية مرسيليا للتخريب، وأُضرمت النيران في مبنى بلدية ليموج.

وفي سياق يتسم بهذا القدر من العنف الأمني المفرط والتشدد من جانب السلطة السياسية، ينبغي فهم كيف أخذ العنف ينتشر تدريجيا بين بعض المتظاهرين. يزداد الأمر وضوحا إذا أخذنا في الاعتبار ما يُتداول عن اختراق الشرطة صفوف مثيري الشغب بعناصر منها؛ إذ تؤكد ذلك مقاطع فيديو عديدة لا يتكلف فيها المحرّضون وعناصر الاستعراض الأمني حتى عناء إخفاء هوياتهم.

لقد أخذ القمع ينهال تدريجيا وبقسوة على حركة بدأت عفوية وبريئة، ولم تكن تطالب سوى بشيء من الإصغاء.

وعلى امتداد التظاهرات المختلفة خلال اسبوعين، سُجّلت ما لا يقل عن عشرة آلاف عملية توقيف، و٧٩٥٠ حالة احتجاز لدى الشرطة، وإحالة ٢٧٠٠ شخص إلى الملاحقة القضائية، بينهم عدد كبير من القاصرين، وهو نصف ما اعتقلته الشرطة خلال ستة أشهر من المواجهات مع تظاهرات “السترات الصفراء” قبل سبعة أعوام. وهذا يعني أن البلاد مقبلة على سلسلة متلاحقة من المحاكمات التي قد تنتهي بأحكام بالسجن النافذ. وهناك ما لايقل عن ثلاثين شخصا أُودعوا الحبس الاحتياطي بالفعل.

أما على الصعيد الإنساني، فقد سُجّلت إصابات خطيرة عدة، بينها حالتان على الأقل بُترت فيهما أيدي مصابين جراء قنابل الشرطة، وحالات عدة فقد فيها أشخاص عينا، وعشرات الإصابات الناجمة عن القنابل، بما فيها كسور خطيرة، وإصابات في الوجه، فضلا عن وفاة شخص واحد على الأقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة أفعال منسوبة إلى قوات الشرطة.

وقد ذهب قائد شرطة باريس (نونيز)، المعروف بتشدده، إلى حد التصريح بأنه لم يصدر أي تعليمات لضبط النفس، وأنه ترك لرجاله حرية استخدام ما شاؤوا من معداتهم، بما فيها الغاز المسيل للدموع دون حدود، ومواسير المقذوفات المطاطية من طراز (LBD) الخطرة، المحظور استخدامها في بلدان عديدة، والتي تسببت في حالات كثيرة من فقدان البصر. ولنتذكر، مع ذلك، أننا نتحدث عن تظاهرات يشارك فيها أشخاص تقل أعمارهم عن ١٨ عاما، أي أطفال وفقا للقانون الدولي.

إذا كان الغضب الأخير للمتظاهرين وأعمال النهب يمكن تفسيرهما بتراكم مشاعر السخط والصعوبات الاقتصادية، فضلا عن العنف المفرط الذي مورس منذ الأيام الأولى، فكيف يمكن تفسير موقف الحكومة التي كان بإمكانها اختيار التهدئة، لكنها تعمّدت اللجوء إلى الشدة؟ كيف يمكن تفسير هذا الإصرار المتطرف من جانب ماكرون على المضي حتى النهاية؟

أما في ما يتعلق بأسباب الانتفاضة، فقد بات خطاب السلطة أقرب إلى العبث. فبعد أن وجّهت الاتهامات، في المرحلة الأولى، إلى جماعة “الإخوان المسلمين”، أخذ ماكرون يوجّه أصابع الاتهام تدريجيا إلى من يُقدَّم بوصفه عدو الشعب الأول في القرن الحادي والعشرين؛ ذاك الذي أصبح اسمه، بفعل تكرار ذكره على ألسنة عشرات وسائل الإعلام الفرنسية ذات التوجه الفاشيّ الطابع، مرادفا للرعب المطلق: جان لوك ميلانشون.

وقد كرّر ماكرون ذلك مرة أخرى قائلا: “المسؤولون هم ناشطون من اليسار المتطرف متحالفون مع أحداث جانحين”. وفي خطاب ماكرون، يُقصد باليسار المتطرف حزب “فرنسا الأبية” أو المجموعات التي يقال إنها خاضعة لسيطرته. ويحدث ذلك رغم أن مسؤولا رفيعا في جهاز الاستخبارات الداخلية، وكذلك مدعية عامة في باريس، قد فنّدا هذه النظرية الواهية بشجاعة. وقد فعلت المدعية العامة ذلك بطريقة حاسمة، مباشرة على الهواء، في إحدى القنوات التلفزيونية واسعة الانتشار، حتى كادت محاورتها الصحفية المذهولة أن تُصاب بالإغماء من شدة الصدمة. فلماذا هذا الإصرار على تحميل حزب “فرنسا الأبية” المسؤولية عن حرب الشوراع بين الشرطة والطلاب ؟

لن نفهم شيئا من هذا الانفجار الفرنسي، ولا من تصاعد التوترات بعد عشر سنوات من حكم ماكرون، ولا من موقف السلطة، إذا أغفلنا أن البلاد تمرّ بإحدى أكثر اللحظات دراماتيكية في تاريخها، منذ حرب الجزائر على الأقل ومحاولة الانقلاب التي نفّذها جنرالات الجزائر في أبريل ١٩٦١. فبعد ستة أشهر، تذهب البلاد إلى انتخابات رئاسية تاريخية، ربما تكون الأهم منذ وصول شارل ديغول إلى السلطة عام ١٩٥٨، لتحدّد مستقبل فرنسا.

وتشير التقديرات الأكثر جدية بالفعل إلى احتمال تأهل ميلانشون، مرشح اليسار الذي يُطلق عليه وصف “يسار القطيعة” بسبب دعوته إلى القطيعة مع النظام القائم، إلى الجولة الثانية. ويحظى ميلانشون بشعبية كبيرة بين الشباب، والشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا، وكذلك بين السود. ومن المرجح، وفقا لهذه التقديرات، أن يواجِهَ مرشحةَ اليمين المتطرف ذي النزعة الفاشية، مارين لوبان، التي تتقدم في جميع استطلاعات الرأي. ومن الواضح أن الرهان كبير، إذا أخذنا في الاعتبار أن المرشحين الأربعة لليمين التقليدي يتراجعون أمام ميلانشون.

ولعل ماكرون، الذي يبدو عازما على اللجوء إلى كل ما ملكت يداه لمنع حزب “فرنسا الأبية” من الوصول إلى السلطة، وهو لا يفعل سوى تنفيذ الخيار الذي استقر عليه اتحاد أرباب العمل الفرنسي؛ إذ اختار هؤلاء منذ البداية وقبل الوصول الى صناديق الاقتراع، الفاشية مارين لوبن على حساب اليسار الداعي إلى القطيعة، الذي يجسّده جان لوك ميلانشون.

ومن خلال دفع المتظاهرين إلى اليأس، قد يكون ماكرون يراهن على نزعة التوق إلى النظام، التي تعقب، بصورة شبه حتمية، الانفجارات الاجتماعية. ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، فيشتبهون في أن ماكرون يريد استغلال الاضطرابات لتفعيل المادة 16 من الدستور، التي تمنحه سلطات استثنائية واسعة. ومن شأن ذلك أن يزيد الوضع تأزما، ويفتح الطريق أمام حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف.

وثمة أمر واحد مؤكد: أن “البرجوازية الإمبريالية” الفرنسية لن تسمح أبدا لحزب “فرنسا الأبية” بالوصول إلى السلطة في أجواء هادئة، وأنها مستعدة لفعل أي شيء للحيلولة دون ذلك، دون استثناء الاشتباك في الشارع. واليوم، كما في عام ١٩٣٦، يعيد التاريخ نفسه: فالجماعة نفسها ترفع شعار كل شيء سوى ميلانشون، أسوة بشعارها آنذاك لقطع الطريق إلى السلطة أمام اليسار الاشتراكي والشيوعي في الجبهة الشعبية السلطة عبر الانتخابات: “هتلر أفضل من الجبهة الشعبية”، وهو ما تحقق فعلا إذ اجتاح هتلر فرنسا بعد سنوات، واحتلها بالتعاون مع أعداء اليسار .

ابقَ على اطلاع دائم بأهم التحديثات

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تقرّ بأنك قد اطّلعت على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام وتوافق عليهما
View Comments (1) View Comments (1)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Previous Post

أمريكا المنكفئة: إعادة التفكير بأمن الخليج

Next Post

نتنياهو.. من "الجدار الحديدي" إلى "المسادا"