انتهت عملية التصويت للانتخابات الإسرائيلية من دون أن تسبقها أو تواكبها حرب واسعة، لا من جهة إيران ولا ضدها، وبالتأكيد ليس من أية جبهة أخرى سوى تلك الحرب التي يشنها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع ذلك، فإن عدم وقوع الحرب لا يعني البتة أنها لم تكد تقع أو أنها أيضا لن تقع وربما في وقت غير بعيد. فالتهديدات الأمريكية لم تتوقف ولو للحظة طوال الأشهر الماضية. كما أن البنية العامة لإسرائيل، والتي استدعت ورحبت بالحرب الأمريكية على إيران وشاركت فيها، لا تزال تطالب بها. فنظرية الأمن القومي الإسرائيلية الجديدة التي بلورها نتنياهو والجيش الإسرائيلي تحت مسمى “الحرب الدائمة” لا تجد من ينقضها ويتنصل منها بين قادة الأحزاب المعارضة لنتنياهو.
ومع ذلك، ولأسباب تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية، ظهر تحفّظ من جانب قيادة الجيش برئاسة الجنرال إيال زامير، على التجاوب مع مطالب كل من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير حربه إسرائيل كاتس ببدء عملية حتى قبل يومين من الانتخابات. وكانت جهات إسرائيلية عديدة، بينها خبراء عسكريون وسياسيون، قد حذروا من أنه وبقدر ما تتراجع مكانة “الليكود” الانتخابية في استطلاعات الرأي بقدر ما تزداد حاجة نتنياهو إلى الحرب. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، وفق منشورات أمريكية، قد شجع نتنياهو على الحرب منفردا باعتبارها تخدمه في الانتخابات، بعكس الضرر الذي تحدثه على أنصاره في الانتخابات النصفية إذا شاركت أمريكا فيها.
غير أن الخشية من الحرب مع إيران في هذا الواقع الإقليمي والدولي المعقد، وفي ظل تكلفة اقتصادية باهظة بعد أكثر من ثلاث سنوات حرب، واتجاه دولي نحو مقاطعة إسرائيل، دفعت بعض قادة المعارضة إلى اعتبار شنّها خدمة لنتنياهو وليس لإسرائيل. وكان يائير لبيد زعيم “يش عتيد” بين أول من حذروا من جنوح نتنياهو للحرب مع إيران خدمة لمصالحه الانتخابية. وتبعه العديد من قادة المعارضة وبينهم الجنرال غادي آيزنكوت الجنرال يائير غولان. غير أن الحملة الأبرز على نتنياهو جاءت من أقدر الإسرائيليين على معرفة نتنياهو وهو زعيم “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، والذي قاد في أواخر الثمانينيات “غواصة” نتنياهو لاحتلال قيادة “الليكود”. إذ توجه ليبرمان إلى المستشارة القضائية للحكومة غالي بارهاف ميارا بطلب فتح تحقيق جنائي مع نتنياهو بتهمة “الخيانة العظمى” لسعيه “لجر إسرائيل إلى حرب عشية الانتخابات العامة” على الضد من مصلحة الدولة “وأمنها والتضحية بجنود الجيش الإسرائيلي”. وأن ذلك يتم فقط “لمجرد الخوف من خسارة الانتخابات”، وهذا “يُعدّ خيانة عظمى للبلاد وأمنها وجنودها”. وكتب في طلبه: “يمارس نتنياهو ضغوطا على قادة المؤسسة الدفاعية لاتخاذ خطوات قد تؤدي إلى سوء تقدير في التعامل مع إيران”.
وقد جاء طلب ليبرمان في ظل تراكم التقارير في إسرائيل حتى ساعات ما قبل يوم الاقتراع حول نشوب خلافات حادة بين نتنياهو والوزراء ورئيس الأركان زامير، على خلفية احتمال نشوب مواجهة مع إيران. إذ لم يرتح الجيش أبدا لسعي نتنياهو تأجيج أوار الحرب مع إيران وغيرها خدمة لمصالحه الحزبية. وكان نتنياهو قد اندفع لتوجيه اتهامات لإيران بقرب حصولها على قنبلة نووية بل أنه في دعايته الانتخابية نشر محاكاة بتقنية الذكاء الاصطناعي لتفجير نووي فوق تل أبيب، محذّرا: “دولة إسرائيل في خطر وجودي حقيقي وملموس”.
وقد نشرت القناة 12 بموافقة الرقيب العسكري ما اعتبرته تفاصيل حول المواجهة الحادة بين زامير ونتنياهو في مداولات عسكرية جرت في معسكر بلماخيم. وأشارت إلى أن زامير تلقى في الأيام الأخيرة، تعليمات من القيادة السياسية بشأن تنفيذ خطوات عسكرية. إلا أن زامير طلب إجراء نقاش معمق قبل تنفيذ الخطوة المطلوبة، كما طالب بتوفير مراجع قانونية وموقعة من القيادة السياسية بشأن هذه الخطوة. ونقلت القناة عن مصدر أمني إسرائيلي قوله أن الإجراء العسكري المطلوب قد يؤدي إلى مواجهة مفاجئة مع إيران في وقت حساس وحرج، وقد يقود إلى خطأ في تقييم الموقف. أوضح مصدر عسكري وسياسي، في حديثه مع القناة 12، أن الخطوات التي طُلب منهم اتخاذها كان من الممكن أن تؤدي إلى تأجيل الانتخابات. وقال مصدر عسكري: “لا يوجد سيناريو لا يُكشف فيه أمر كهذا. سيعلم به العالم أجمع”.
ولاحقا تكشفت معطيات جديدة حيث أشارت القناة 12 أيضا نقلا عن “ثلاثة مصادر مطلعة” أن الخطوة العسكرية المقصودة لم تكن بحد ذاتها هجوما على إيران لكنها كانت ستفسر من إيران على أنها هجوم عليها. ومعروف مثلا أنه قبل أسبوع تقريبا من موعد الانتخابات ناورت إسرائيل بطائرات حربية فوق سورية والعراق وصولا إلى الحدود الإيرانية في ما وصف بأنه “رسالة ردع” وتحذير.
ولكن في مداولات بالماخيم، رفض زامير خطوات مشابهة عشية الانتخابات وكان الوحيد بين قادة الأجهزة الأمنية الذي عارض ذلك. ووفق ما نشر في إسرائيل، فإن رئيس الموساد رومان غوفمان قال في الاجتماع أن “الوقت ليس في صالحنا”. وتضاربت الأنباء بشأن موقف كل من قائد سلاح الجو الجنرال عومر تيشلر وقائد الاستخبارات العسكرية الجنرال شلومي بيندر. إذ رددت جهات سياسية كلاما يفيد بأنهما أيضا أيّدا طلب نتنياهو فيما تؤكد مصادر عسكرية أن الاثنين أيّدا موقف رئيس الأركان في هذا القرار الحساس.
والمهم في الأمر أن الخلاف في جوهره لم يكن يدور حول أهمية الاستعداد لضرب إيران وإنما حول مدى ضرورة التحرك ضد إيران عشية الانتخابات الحاسمة ولماذا لا يمكن تأجيل ذلك لبضعة أيام. ولا يخفى على أحد أن الجيش، خلافا للسياسيين، يؤمن بأن توجيه ضربة لإيران في الظروف الراهنة يتطلب ما هو أكثر من الضرورة السياسية ويحتاج إلى استعدادات عملياتية واستخبارية وتعاون واضح مع أمريكا ودول أخرى.
وقاد هذا الخلاف إلى نشر تقارير تفيد بأن بين أول القرارات التي سيتخذها نتنياهو إذا فاز في الانتخابات إقالة رئيس الأركان. وهذا ما ينفيه بشدة مقربون لنتنياهو. كما أن وزير الحرب كاتس أصدر نفيا قاطعا لما نشر حول الطلب من الجيش شن حرب على إيران أو الإقدام على خطوة قد تقود إلى “سوء تقدير” يؤدي إلى الحرب. ومع ذلك نقل الإعلام الإسرائيلي عن مصدر سياسي قوله: “لن تُتخذ أي خطوة استثنائية حتى الساعة العاشرة مساء غدا، ولكن سنرى من ستكون له الكلمة الأخيرة. لقد كشف رئيس الأركان زامير عن نفسه كسياسي ضيق الأفق”.
من الواضح أن الحرب على إيران شأن لا تترك أمريكا أمره فقط لإسرائيل ورئيس حكومتها. وبالتالي لا حرب كهذه من دون أن تكون أمريكا وراءها وبقوة. وهي مضطرة في هذه الحالة لأخذ مترتبات الحرب عليها وعلى محيط إيران وأيضا على الاقتصاد العالمي. ومع ذلك هناك تقارير أمريكية تتحدث عن استئناف الحرب الأمريكية على إيران بعد انتهاء الانتخابات النصفية مطلع نوفمبر المقبل. ولكن ليس من المؤكد حدوث ذلك خصوصا إذا صحت التقارير حول خلافات أيضا داخل الجيش الأمريكي نفسه. ومعروف أن إدارة ترامب تبنّت خطة “الحصار الاقتصادي” لـ”تليين” موقف إيران بديلا عن الخطة العسكرية التي استهدفت “تدمير” النظام الإيراني وتريد أن تبقى صاحبة القرار بشأن لحرب وموعدها على إيران.
وإذا خسر نتنياهو الانتخابات فإن شهية أمريكا لاستئناف الحرب على إيران سوف تقل بعض الشيء على الأقل بسبب الحاجة للتشاور من جديد مع القادة الجدد لإسرائيل. ورغم أن الحرب على إيران تحظى في إسرائيل بتأييد واسع إلا أن نتائج الحرب حتى الآن قد تدفع القيادة الجديدة إلى مزيد من التروي. فهناك أصوات جدية في إسرائيل تنتقد عددا من الخطوات التي تمت في الحرب على إيران وخصوصا استهداف المرشد الأعلى والقيادة الإيرانية عموما. ويعتقد كثيرون أن خطوات كهذه أنشأت روحا انتقامية لن تخمد في إيران لأجيال قادمة.
ومع ذلك تجرأ وزير التعليم الإسرائيلي، يوآف كيش على إعلان موعد بدء الحرب الجديدة على إيران بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية. وفي مقابلة مع إذاعة 103 FM، قبل يوم واحد من الانتخابات قال إن “إيران تحاول تعطيل الانتخابات في دولة إسرائيل، وقد سمعنا رئيس الوزراء يحذرهم ويطلب منهم عدم التدخل، وإلا فسوف نرد عليهم بقوة”. وأضاف: “من الواضح لنا جميعا أنه بعد انتخابات التجديد النصفي، أي بعد الثاني من نوفمبر، من المرجح أن تدخل دولة إسرائيل في مواجهة مع إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة. والسؤال الأهم هو: من سيقود دولة إسرائيل في هذه المواجهة؟”.
وهذا هو السؤال الجوهري: هل يستطيع معارضو نتنياهو إذا فازوا الخروج من دائرة نظرية “الحرب الدائمة” وتغيير الوجهة ؟ أغلب الخبراء يشكون في ذلك.








