في الفصل الرابع من كتابها “على أطلال النيوليبرالية”، وفي معرض الحديث عن ما صارت إليه النيوليبرالية وكيف استخدم اليمين ورأس المال شعارات الحرية الفردية وقوانينها لبسط نفوذهما، تندب ويندي براون مطولا حكاية زوجين مثليين طلبا كعكة زفاف من متجر حلوى في ولاية كولورادو، فتحجج صاحب المخبز بحقه الدستوري في حرية التعبير ليرفض تقديم الكعكة لهما، معتبرا أن إجباره على تقديم الكعكة سيكون إجبارا له على التعبير عن موقف لا يؤيده؛ (في مقابل ادعاء الزوجين بأن رفض تقديم الكعكة يمثل تمييزا ضدهما) في حين قال الخباز إنه لا يمانع صنع الكعك لهما في مناسبات أخرى إلا الزواج.
تقدم ويندي براون هذه الحكاية ضمن الأمثلة على ما أدت إليه النيوليبرالية: فإن كانت النيوليبرالية (بالتضاد مع الليبرالية الكلاسيكية وبالعداء مع كل الدعاوى الاشتراكية والاجتماعية أو الجماعية) تقوم على العداء مع أي تنظيم اجتماعي يحد من حرية السوق وحرية الأفراد كأعضاء، بائعين وشراة، ضمن هذا السوق؛ فإن مفكريها الأوائل قد حاولوا المواءمة بين ما في هذه الفكرة من عداء للديمقراطية وبين العنصر “الليبرالي” فيها الذي يؤكد على حرية الأفراد. تخيل هؤلاء الآباء المؤسسون للنيوليبرالية مجموعة آليات تنبع من الأسواق وتطورها الطبيعي وتطغى على ما هو مجتمعي أو سياسي وفي نفس الوقت توهموا أن هذا التمدد للسوق ومنطقه هو تمدد للحرية الفردية (ضلالاتهم عن حرية الفرد القادر على الشراء لا تنظر في الظروف التي تجعله قادرا ولا تلقى بالا لمن لا يقدر). أحد العناصر الأبرز لهذه الآليات هي أن المنظومة النيو ليبرالية ستتغلب على “المجتمع” عن طريق توسيع مجال الحريات الشخصية على حساب المجال العام.
تعرض براون قصة صاحبي الكعكة من باب التدليل على أن توسعة مجال الحريات الشخصية أدى إلى نتائج قمعية وكارهة للغير على عكس ما تنبأ به آباء النيوليبرالية أو أرادوا (لم أفهم الجهد الحثيث لتبرئة هؤلاء الفلاسفة من النتائج الكارثية لفلسفته كأن الأعمال بالنيات أو كأن الذين دعوا إلى تفكيك شبكات التضامن الاجتماعي ورفع الحماية عن الفقراء يمكن أن يفترض فيهم حسن النوايا).
تأخذ ويندي براون بوضوح صف الزوجين؛ وتعتبر هذه القصة مثالا على تمدد رأس المال وسطوته ضمن منظومة السوق وتجنيده للحقوق الدستورية ليصبح متحكما في خيارات الناس
ويكيف أن تمديد الحريات “الشخصية” (الذي رآه النيوليبراليون الأوائل سبيلا إلى الحفاظ على شكل من أشكال الحريات الفردية مع قمع المطالب الاجتماعية التي قد يكون من شأنها عرقلة آليات السوق الحر) ينتهي به المطاف إلى قمع تلك الحريات ثم بالنزول بالقيم إلى منطق السوق لتفقد القيم قيمتها.
تصادف في نفس يوم قرائتي لهذه السطور بداية “تريند” هنا في مصر إذ طلب أحد الزبائن من أحد متاجر الحلوى الشهيرة كعكة مرسوم عليها صليب؛ فرفض العامل نقش الصليب معتبرا أن ذلك يعارض معتقداته (وكما في حكاية الخباز المعادي لزواج المثليين، لم يرفض تقديم الخدمة لزبونه المسيحي ولكنه اعتبر أن رسم الصليب سيكون إجبارا له على التعبير عن موقف عقائدي لا يؤمن به)؛ فرد الزبون بالاحتكام إلى الرأي العام ونشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يشكو فيه من التمييز وانقسم الناس.
(لا أدري صراحة أي صف كانت ويندي براون لتأخذ لو علمت بهذه القصة؛ ربما تكرر نفس الموقف وتعتبر موقف العامل من عوارض النيوليبرالية، وربما تتبنى عداء اليسار الهوياتي الأمريكي للرموز المسيحية وربما تدرك أن المسألة ليست سواء حين نتحدث عن مجتمع يمثل المسيحيون فيه أقلية).
القصتان تبرزان معضلة في مسألة الحريات الفردية عندما تدخل إلى المجتمع؛ كما تبرزان شيئا واهيا في منطق السوق الذي يفترض أن الكل يدخل إليه متساوين وأن كلا يستطيع ممارسة حريته فيه بشكل لا يتعارض مع الآخر.
كما يكشف المثالان (وهذه مسألة تجنبت براون التعرض لها في هذا الكتاب وإن كانت تعرفها جيدا) السلطة التي تمنحها الأطراف على اختلافها للسوق الذي يدخلون إليه بهويات تصبح هويات استهلاكية (الرغبة المثلية تدخل إلى السوق وتطلب الشرعية من خلال القدرة على شراء الكعكة والمشاركة في المظاهر الاستهلاكية للزواج التي تترجم إلى حقوق، نفس الشيء بالنسبة لكعكة الصليب) تطلب من السوق الاعتراف بها وإشباعها.
اختارت ويندي براون مثالا مواتيا إذ أن الخباز في مثالها هو صاحب المخبز، لذا تستطيع أن تتكلم عن سطوة رأس المال عن طريق ادعاء حق دستوري مرتبط بالأفراد وما يؤمنون به؛ ولكن المثل المصري في المقابل يظهر تعقيدا أغفلته ويندي براون في أمثلتها. فبعد “التريند” اعتذر المتجر لصاحب الشكوى وأعلن أنه سوف يعاقب العامل الذي رفض نقش الصليب. يتصالح رأس المال مع الذوات المهمشة، ويعيد تأهيلها في السوق كذوات مقبولة (قادرة على الدفع والشراء) بينما يعيد تأهيل نفسه كرأس مال منفتح على الآخر وينعقد هذا التحالف السوقي بين المستهلك ورأس المال على حساب العامل الذي يصبح هو الظالم لصاحب العمل وزبونه. هذا بالتأكيد يحدث على نطاق أوسع في الولايات المتحدة عندما يعيد رأس المال، وتعيد المنظومة السياسية، تأهيل نفسها عن طريق تبني شعارات تعددية (علم قوس القزح أصبح وسيلة ترويجية ناجحة، وكذلك توظسف مسلم –أو مسلمة، حبذا لو محجبة—من أجل خلق صورة تعددية من دون الاضطرار إلى تغيير السياسات الحقيقية).
تدرك ويندي براون كل ذلك وقد ساهمت هي في نقده بعنف في السابق، ولكنها في هذا الكتاب تختار أن تنتقد النيوليبرالية من موقع يراوح هذه النيوليبرالية ولا يتجاوزها.
النيوليبرالية ضد المجتمع
تقدم وندي براون في هذا الكتاب قراءة تاريخية للجذور النظرية المختلفة للفكرة النيوليبرالية؛ بالتركيز على عداء النيوليبرالية لأي مطالب مجتمعية يمكن أن تقيد “حرية السوق” ومن ثم عدائها لمفهوم المجتمع في حد ذاته. يبرز هنا التناقض مع الليبرالية الكلاسيكية التي كانت تقبل بحد أدنى من العدالة الاجتماعية أو ترى أن حرية الفرد تتشكل في المجتمع الحر وضمن الإرادة العامة—عند جان جاك روسو مثلا.[1 مرجع]
هذا الخلاف النظري بين الليبرالية الكلاسيكية والنيوليبرالية فيما يتعلق بالمجتمع والمجال العام مفهوم ولكن الصورة تصبح أكثر التباسا كلما اقتربنا من الواقع: تتحدث براون عن إعادة النيوليبرالية لترتيب الفضاء ليصبح السوق والمجال الخاص هما الفضاءان المقبولان ليتمددا ويقلصا ما تبقى من المجال العام.
ولكن القلق من المجال العام وإعلان الحرب عليه من موقع المجال الخاص (سواء كان مجال البيت أو العمل) جزء أصيل من تجربة الحداثة: على سبيل المثال في ورشة أنظمها لمسرحة الأرشيف نكتشف في وثائق الإنجليز قلقا دائما من المقاهي في القاهرة كونها مساحات عامة قابلة للانفجار ومرتعا محتملا للأنشطة الثورية (يظهر ذلك بشكل أكبر بطبيعة الحال في السياق الاستعماري عندما يصبح مجرد وجود المستعمَر مثار قلق يستوجب الضبط؛ ولكن لا ننسى أن آليات ضبط العوام في الغرب قد أثرت في الآليات الاستعمارية وتأثرت بها). وكنت قد تحدثت في مكان آخر عن أن قصة مدينتين، التي ترسم في رأيي خريطة لتوزيع المجال المحترم وغير المحترم (والتي لعبت دورا في تكريس هذه الجغرافيا الحداثية في الغرب وفي عالمنا العربي) تقوم في حبكتها على هذه المواجهة التي ترى خطرا على المجال الخاص في المجال العام – الذي ينفجر في الثورة الفرنسية ولكن الذي يتجلى كذلك في صدى خطوات المشاة في لندن الذي تسمعه بطلة الرواية وترتعد في بيتها معتبرة إياه نذيرا بما سيلحق بأسرتها على يد الثوار في فرنسا— وكما في توصيات النيوليبراليين توسع الرواية المجال الخاص لبطلتها ليصبح الشارع الممتد بين مكان وقوفها مع ابنتها وبين السجن الذي يحبس فيه الثوار زوجها مجالا خاصا وتصبح جموع الفرنسيين الذين يعبرون عن ابتهاجهم بإعدام الملك والملكة في هذا الشارع العام دخلاء على عالم البطلة الخاص. فهل نقول هنا إن ديكنز كان من آباء النيوليبرالية؟[2 مرجع]
ربما تكون هذه مشكلة في منهج الكتاب الذي يتعامل بشكل أساسي مع تاريخ الأفكار لدرجة تبدو معها الأفكار مجردة أو تدور في فراغ—ومثلا تنزل إلى الواقع فجأة في لحظات بعينها مثل اللحظة المعاصرة فيبدو الكتاب هجوما ليبراليا على سياسات ترامب واليمين الأمريكي بينما لم توفر ويندي براون الجناح الليبرالي والحزب الديمقراطي الأمريكي من نقدها في أعمال أخرى. ولكن هذا المنهج يخاطر بجعل الكتاب ينغلق على اللحظة الحالية. هذا المنهج، عندما لا يشتبك بشكل كاف مع الظروف المادية التي تنشأ فيها هذه الأفكار، يخاطر كذلك بنسيان كل من قام هذا النظام النيوليبرالي على حسابهم (العامل أو المهمش المطرود من جنة الحقوق التي يتصارع عليها اليمين واليسار؛ سياسات الاستغلال العالمي التي أفقرت سائر العالم لتستقيم السوق الحرة في الغرب؛ ضحايا الانقلابات العسكرية التي حافظت على النظام النيوليبرالي في وجه “التهديد الشيوعي”؛ والتي لا يتسع لها الكتاب إلا في بعض السطور القليلة).
بالرغم من عثرات منهجه، والتي تظهر كلما قابلنا هذا التاريخ الفكري بالأرشيف أو بالأعمال الأدبية، فإن هذا الكتاب بقدم قراءة مهمة لتطور النيوليبرالية من هذه الأفكار المجردة إلى السياسات اليمينية السائدة اليوم في أوروبا والولايات المتحدة—بما في ذلك اليمين القومي والديني الذي يتعارض مع المبادئ التي تخيلها منظرو النيوليبرالية. توسعتهم للحريات الفردية على حساب الهم الاجتماعي أدى إلى أشكال من التسلط التي تستتر أحيانا وراء الحق القانوني (كما في قصة أصحاب الكعكة)؛ وبحثهم عن قيم مشتركة تتطور عضويا – على حساب التعاقد المجتمعي الذي كرهوه في شكله الليبرالي الكلاسيكي وكذلك، بالطبع، في شكله الاشتراكي— أدى إلى صعود أشكال من القيم القائمة على التمييز ثم أدى إلى تفريغ القيم من قيمتها وإخضاعها تماما لمنطق السوق. ظهر كل ذلك في مثال الكعكة ويبدو كل ذلك جليا في المثال الآخر الذي تضربه ويندي براون عن المراكز المناهضة للإجهاض.
“أزمات الحمل” بين معسكرين
تتناول براون صراعا قانونيا في ولاية كاليفورنيا حول إجبار مراكز مناهضة الإجهاض (التي تتخفى وراء اسم مراكز أزمات الحمل) على الإفصاح بأنها ليست مراكز طبية وبيان الحدمات الصحية المرتبطة بالحمل والولادة أو الإجهاض التي تقدمها العيادات التابعة للولاية. الدعوة هذه المرة هي دعوة إلى الشفافية لتعرف النساء خياراتهن، ولكن هذه المراكز تتحجج بأن هذا البيان يفرض عليهم عبء نشر معلومات لا يؤمنون بها ولا يريدون نشرها.
تشرح براون كيف أن هذه المراكز تستخدم وسائل تسويقية لتصل للنساء الباحثات عن سبل لمنع الحمل أو إنهائه من دون أن يعرفن حقيقة هذه المراكز؛ وتضفي على نفسها طابعا طبيا أحيانا باستخدام أسماء مضللة تكون أحيانا شديدة الشبه بأسماء عيادات الرعاية التي تقدم خدمات الإجهاض، وتصر على التواجد بالقرب من تلك العيادات ليختلط على الناس الأمر، ويرتدي العاملون فيها معاطف بيضاء من دون أن يفصحوا عما إذا كانوا مدربين لتقديم خدمات طبية أم لا. تقدم هذه المراكز معلومات منقوصة ونصائح هي أقرب للدعاية اليمينية منها إلى النصيحة الصحية؛ ثم تتذرع بالحرية وبالحقوق الدستورية لكي لا تتعامل مع زبائنها بشفافية.
طبعا معايير المصداقية والشفافية في السوق الأمريكية عبثية، وتتراوح من حق الشركات في تسويق منتجاتها من خلال معلومات مضللة وصولا إلى الحق في تقديم معلومات صحية مغلوطة والتضليل بشأن هوية من يقدمون هذه المعلومات
يتمم هذا المثال الصورة التي تحللها وندي براون عن صيرورة النيوليبرالية إذ تتحول حرية السوق والرأي والتعبير إلى حرية رأس المال في الكذب والتضليل –وأيضا انهيار القيمة من حيث تتسلح هذه الجمعيات بآليات سوقية وتتخفى وراءها (بدلا مثلا من أن تعلن عن موقفها وقيمها بصراحة).
هذا المثال يظهر أيضا الموقع الذي تشن منه ويندي براون، في هذا الكتاب بالذات، نقدها.يغيب عن الصورة أن الموقف محكوم بعناصر أخرى (ما دمنا نتحدث عن أي حق بمعزل عن الظروف المادية التي تجعل ممارسة هذا الحق ممكنة أو تعيق عنها أو تحث عليها فنحن ندور في موقف ليبرالي-حقوقي مجرد وموقف نيوليبرالي يتعامى عن السطلة المادية للسوق ويطلب حقوقه ضمن هذا السوق).
الدعاية اليمينية وممارسات منع الإجهاض أو إعاقته عناصر مهمة ولكن تخيل أن المرأة تصبح حرة في غياب هذه العناصر هو لغط ليبرالي. حرية المرأة هنا ترتبط بالظروف الآمنة لا للإجهاض فحسب ولكن للإنجاب أيضا، بما في ذلك ظروف الرعاية المجتمعية والمؤسساتية للأطفال إن ولدوا: وهنا تلعب الهجمة النيوليبرالية على المجتمع دورا يتضافر مع الدعاية الليبرالية المؤيدة للإجهاض والمشجعة أحيانا عليه.
ربما لم تتطرق ويندي براون لذلك لأنها ليست بحاجة على التدليل على نيولبيرالية التيار وإنما على نيوليبرالية التيار المحافظ، ولكن
لتكتمل صورة الظروف المادية (المجتمعية والمالية) التي قد تلجئ المرأة إلى خيار الإجهاض، والحث الليبرالي الذي يعمل هنا بالتماهي مع منظومة رأس المال التي تريد أن تتبرأ من رعاية هؤلاء الأطفال، في مقابل ما تفضلت به أقترح مقابلة تحليل ويندي براون بالفيلم الكوميدي “المواطنة رُوث”.
روث بطلة الفيلم مدمنة مخدرات مشردة. بعد أن يقبضوا عليها بتهمة حيازة وتعاطي المواد المخدرة وتعريض المجتمع للخطر يكتشفون أنها حبلى. يكون القاضي قد سئم من مثولها بتهم مماثلة (من بينها تهم تتعلق بإهمال طفليها الآخرين) فيقرعها لتعريضها لطفليها ولسائر الولاية للخطر ثم يوجه لها تهمة تعريض جنينها للخطر؛ ولكنه بعد الجلسة يلمح لها أنها تستطيع أن تجهض الطفل في أحد مراكز الإجهاض التابعة للولاية فتختفي مع الطفل تهمة تعريضه للخط.
إلى هنا نرى ترسيما معقدا ومزعجا للحدود بين الخاص والعام ومساحات تدخل الدولة (وربما لأن الفيلم اهتم بالإضحاك والتصويب على الجميع بدلا من تقديم دعاية سياسية موجهة تمكن من ترسيم هذه الحدود بشكل أكثر ثراء وتعقيدا من محاولات ويندي براون في هذا الكتاب).
ثم من بعد ذلك تتبنى روث جماعة من اليمينيين المناهضين للإجهاض فيدفعون كفالتها ويستضيفونها ويأخذونها إلى ما تظنه مركز رعاية طبية ولكن يتضح أنه أحد مراكز الدعاية ضد الإجهاض فيحشرون في رأسها أن الإجهاض جريمة قتل وأنه خطر على المجتمع يقترب من خطر الإبادة
ثم تنتزعها من بين أيديهم مجموعة ليبرالية فيحشرون في رأسها شعارات حرية الجسد والخيار ويملون عليها ترديدها –ولكن حين تجد نفسها حائرة ما بين الطرفين يبدؤون في الضغط عليها فتسائلهم “ألم تقولوا أن جسدي ملكي وأن لي حق الخيار”
حرية الخيار هنا لا تنتج من فراغ ولكن من الصراع بين جهتين تكرس كل منهما رؤية معينة لما هو حق وتنبثق من واقع مادي يمليها
تزداد الأمور تعقيدا حين توفر المجموعة المحافظة من ميزانيتها ومن التبرعات العامة مبالغ مالية كبيرة لدعم روث إن أنجبت الطفل كما تجد أسرا مستعدة لتبني الطفل؛ تعجب هذه الصفقة روث فيثور غضب أصحابها الليبراليون ويبدؤون في تقريعها ومعايرتها بإدمانها والضغط عليها بأنها لن تستطيع الكف عن تعاطي المواد المخدرة طوال فترة الحمل؛ تكتشف روث أن الطرفين لا يهتمان بها وإنما يسعى كل منهما إلى استخدامها من أجل إرسال رسالة معينة للجمهور خاصة وقد أصبح الإعلام مهتما بقصتها
ومع هذه التطورات تسائل روث أصحابها الليبراليين إن كانوا يستطيعون توفير مبلغ لها كالذي يعرضه المحافظون إن أنهت حملها؛ ترفض المجموعة التي لا تريد أن يشاع عنها أنها ترشي النساء لكي يجهضن ولكن أحد مناصريهم (كان جنديا في الجيش الأمريكي ويتوقع تلقي مبالغ مالية كبيرة كتعويض عن آثار استخدام “العامل البرتقالي” في حرب فيتنام) يتطوع بدفع هذه المبالغ: يدور حوار جانبي يحاضره فيه الليبراليون عن الصواب والخطأ ويحاضرهم عن حريته الشخصية وحقه في التعامل في ماله الخاص ويحاجج بأنه لا يرشي روث ولكنه يجعل ساحة المنافسة متساوية.
يدور كل ذلك في مفارقات ومبالغات كوميدية، ولذا لا أحاجج بأن هذه التفاصيل كلها حقيقية كان ينبغي لويندي براون أن تلتفت إليها، ولكنه يرسم صورة أكثر تعقيدا للوضع الذي تحاول وندي براون مناقشته (ولو كنت مثلا أدرس هذا الكتاب لنصحت الطلبة أن يشاهدوا الفيلم كمادة مصاحبة).
- تختلف النيوليبرالية عن الليبرالية الكلاسيكية من حيث إنها تعطي اليد العليا لآليات السوق الذي يجب أن يكون حرا على حساب أي شيء آخر، وتغرق في ضلالات تظن أن الحريات الشخصية لن تنشأ إلا في ظل قوانين السوق، وبالتجربة العملية كان الثمن لحرية السوق هو تدمير شبكات الضمان الاجتماعي على يد ريغان وثاتشر ودعم “حرية” السوق بالانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية.
- يمكن بالمناسبة أن نقول ذلك إذا أخذنا بالاعتبار تحليل فوكو للنيوليبرالية من حيث هي المجال الذي يدخل إليه عامة الناس، بالذات فقرائهم، إلى السوق بأجسادهم؛ بمعنى أن يصبح الوجود البيولوجي للعامل عنصرا من عناصر التداول الحر في السوق؛ وهو ما نراه عند ديكنز الذي يتعاطف مع الفقراء تعاطفا مشروطا بإخضاع وجودهم وكيانهم لسوق العمل؛ ولكن وندي براون تحاول جاهدة أن تتخطى هذا المنهج الجينيولوجي الذي يأخذ بعين الاعتبار الجذور المتنوعة والمتضاربة للظاهرة، وهذا التحليل الفوكودي المهم للنيوليبرالية وإن كانت قد استفادت منه كما هو واضح؛ يراجع Michel Foucault, The Birth of Biopolitics










