Dark Mode Light Mode

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق: ٤ تحدّيات لمشروع حصر السلاح

حصر السلاح في العراق حصر السلاح في العراق
(الفرنسية)

غيّر رحيل القوات الأمريكية المشهد العسكري في العراق، لكنه لم يحسم المسألة التي كانت وراء استمرار الفصائل في حمل السلاح، وهي: من صاحب القرار السيادي في العراق؟
لقد أدى انسحاب التحالف في نهاية سبتمبر إلى سقوط أحد المبررات الرئيسية [أي مبرر مقاومة الاحتلال] للاحتفاظ بالسلاح خارج نطاق سلطة الدولة. ومع ذلك، فإن رحيل جيش أجنبي لا يعني تلقائيا قيام دولة مستقلة قادرة على الدفاع عن حدودها وحماية مجالها الجوي وتحصين اقتصادها من الضغوط الخارجية. لذا، يواجه رئيس الوزراء علي الزيدي تحدّيا يتجاوز مجرد مسألة السلاح؛ إذ يتعين عليه إقناع الفصائل المسلحة بأن الدولة قادرة على توفير الحماية التي تقول تلك الفصائل إنها توفرها بترساناتها الخاصة:

(١) السيادة الاقتصادية

زادت الصدمة التي تعرض لها الدينار من حدة هذا الجدل. ففي السابع من أكتوبر، أي بعد أسبوع من الانسحاب، أعلن العراق خفض قيمة الدينار، فارتفع سعر صرف الدولار من نحو 1320 ديناراً إلى 1520 ديناراً. وبذلك، بات الحصول على الدولار يتطلب دفع المزيد من الدنانير، بزيادة تقارب 15%، بينما فقد الدينار نحو 13% من قيمته مقابل الدولار، وهما وجهان للتغيير نفسه.
ورغم الحساسية السياسية البالغة لتوقيت هذا الإجراء، فإن مجرد تعاقب الأحداث يثير تساؤلا: هل عاقبت واشنطن بغداد على قرار إنهاء الوجود العسكري؟
وقد ربطت تقارير أخرى بين تدهور الأوضاع المالية وتضرر عائدات النفط من جهة، وبين الحرب الإقليمية والصعوبات التي تواجه تصدير النفط عبر مضيق هرمز من جهة أخرى، رغم استمرار العراق في تصدير بضع مئات الآلاف من البراميل عبر تركيا، وبرّا عبر سورية.
ومع ذلك، تظل التداعيات السياسية جسيمة؛ فقد قُدِّم الانسحاب بوصفه استعادة للاستقلال الوطني، لكن العراقيين وجدوا أنفسهم أمام تراجع قيمة العملة وتصاعد آثار التضخم المستورد. يكشف هذا الواقع عن الفارق بين السيادة على الأرض والسيادة الاقتصادية؛ فبإمكان العراق إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، لكنه يظل عرضة لتقلبات أسواق النفط، فيما تُودَع عائداته النفطية في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبل وصولها إلى العراق، فضلا عن صعوبات الحصول على الدولار وترتيبات مالية لا تخضع لسيطرته الكاملة. يمكن للفصائل توظيف هذا التناقض، وإن كان ينبغي عدم اتخاذ تفسيرها للأحداث بديلا عن تحليل الأسباب الفعلية التي أدت إلى خفض قيمة العملة.

(٢) الوجود العسكري التركي

يكشف الموقف التركي عن جانب آخر من مسألة السيادة لم يُحسم بعد؛ ففي ٢٣ سبتمبر، اتفقت بغداد وأنقرة على التسليم التدريجي لمعسكر بعشيقة، المعروف أيضا باسم «زليكان». ورغم أن الاتفاق يُعد إنجازا دبلوماسيا، فإنه لا ينبغي الخلط بين الاتفاق على آلية للانسحاب وإتمام الانسحاب فعليا على الأرض. كما أن التخلي عن موقع واحد لا يعني إنهاء الوجود العسكري التركي الواسع في شمال العراق، حيث تنتشر عشرات المواقع العسكرية ونقاط المراقبة ومراكز العمليات. والخلاصة أن الوجود العسكري التركي يقوم على شبكة من المواقع، مما يجعل بعشيقة جزءا من نزاع أوسع حول السيادة.
تتذرع أنقرة بوجود “حزب العمال الكردستاني” (PKK) لتبرير انتشار قواتها؛ لذا يتعين على بغداد التفاوض بشأن مسألتين: انسحاب القوات الأجنبية، والتوصل إلى ترتيبات أمنية تعالج النشاط المسلح بالقرب من الحدود التركية.

في المقابل، تحاجّ الفصائل بدعوى تركيز مطالب نزع السلاح عليها بينما يستمر الوجود العسكري الأجنبي داخل البلاد؛ وهي حجة تزداد بلاغة في ظل غياب جدول زمني موثوق لإنهاء ذلك الوجود.

(٣) السيادة على الأجواء

أما السيادة على الأجواء العراقية، فإن التحدي فيها يبدو أكثر تعقيدا. فقد وثّقت بغداد اعتراضاتها رسميا؛ إذ طلبت في 14 يونيو/حزيران 2025 من واشنطن منع الطائرات الإسرائيلية من استخدام الأجواء العراقية لشن هجمات على إيران. وبعد ستة أيام، أفاد ممثل العراق لدى الأمم المتحدة بأن 50 طائرة حربية إسرائيلية انتهكت المجال الجوي العراقي. ويؤكد هذا الاحتجاج الدبلوماسي أن المخاوف المتعلقة بالسيادة ليست مجرد شعارات ترفعها الفصائل.
والتوصيف الأدق للواقع هو أن العراق يفتقر إلى الحماية الكافية، وليس بالضرورة إلى سلاح جو من الأساس؛ فامتلاك طائرات قتالية يختلف عن تشغيل منظومة متكاملة قادرة على رصد قوة متفوقة تقنيا واعتراضها وردعها. وتطرح الفصائل حجة مباشرة مفادها أن انسحاب القوات الأمريكية لا يحول دون تنفيذ عمليات أمريكية أو إسرائيلية في الأجواء العراقية. ومع ذلك، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمتلكها هذه الفصائل لا تستطيع وحدها توفير دفاع جوي وطني شامل؛ إذ تكمن قيمتها الردعية، إن وُجدت، في التهديد بالرد، لا في امتلاك قدرة موثوقة على منع اختراق الأجواء العراقية.

(٤) المعارضة الإيرانية في كردستان

يزيد الوضع في شمال العراق المشهد تعقيدا؛ إذ يجب التمييز بين تنظيمات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة هناك، وبين الأحزاب الكردية العراقية وحكومة إقليم كردستان. ففي مارس، وردت تقارير عن استعداد معارضين أكراد إيرانيين لتنفيذ عمليات محتملة عبر الحدود، بالتزامن مع اتصالات أجروها مع مسؤولين أمريكيين، وإعلان دونالد ترامب بنفسه إرسال أسلحة إليهم. وتعزز هذه التقارير المخاوف من احتمال وقوع تحركات عابرة للحدود خارج سيطرة الحكومة في بغداد، مما يستدعي ترتيبات قابلة للتحقق تشمل المعسكرات والأسلحة والأنشطة الحدودية، إلى جانب ضمانات لحماية المنطقة من الهجمات الخارجية.
ويسهم الدعم التاريخي لاستقلال كردستان في تأجيج الشكوك حول دوافع تجريد الفصائل من سلاحها. فقد أيّد بنيامين نتنياهو علنا قيام دولة كردية في سبتمبر 2017، من دون أن يخفي علاقات إسرائيل الوثيقة بكردستان العراق، وهي علاقات تعود إلى ستينيات القرن الماضي، وتحديدا إلى عهد مصطفى البارزاني، والد مسعود بارزاني، زعيم كردستان.

خلاصات

تفسر هذه المسائل العالقة تعذر وفاء رئيس الوزراء الزيدي بتعهّده حصر السلاح. وبعد كشفه في سبتمبر عن مهلة تنتهي في ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، أكد في الأول من أكتوبر خريطة طريق تمتد حتى ٣٠ يونيو ٢٠٢٧، مؤكدا ضرورة أن يكون قرار الحرب والسلام بيد السلطات الدستورية. ويُظهر امتداد الجدول الزمني أن الانسحاب الأمريكي لم يُفضِ تلقائيا إلى تسوية مسألة السلاح. ولا تعكس هذه الخطة اتفاقا شاملا مع الفصائل. ففي الخامس من أكتوبر، قال الزيدي إن خمسة فصائل وافقت على تسليم أسلحتها، وإن ثلاثة منها نفّذت ذلك بالفعل، وفق الرواية الحكومية. وفي المقابل، رفضت فصائل رئيسية، منها “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء”، نزع السلاح، أو ربطته بشروط تتعلق باستكمال السيادة العراقية. ولذلك، ينبغي التمييز بين موافقة بعض الفصائل، وتسليم السلاح فعليا، والتوصل إلى تسوية تشمل القوى المسلحة الرئيسية.

وليست الفصائل كتلة مؤسسية متجانسة، ولا يصح اعتبارها مرادفا لقوات “الحشد الشعبي”. فالأخيرة تشكل مظلة أمنية قانونية، بينما يتمحور الخلاف الرئيسي حول مدى احتفاظ تنظيمات محددة باستقلالية قراراتها العملياتية وإدارة ترساناتها وعلاقاتها الخارجية. ويُعد نزع السلاح والدمج والخضوع الإلزامي لقيادة الدولة خيارات مترابطة، لكنها ليست متطابقة. والتعامل معها باعتبارها أمرا واحدا يزيد صعوبة التوصل إلى تسوية عبر التفاوض.

وتستند إحدى أقوى حجج الفصائل إلى مسألة ترتيب الخطوات. إذ تجادل بأن التخلي عن السلاح قبل أن يصبح العراق قادرا على الدفاع عن نفسه سيفقدها نفوذها فيما تبقى مواطن الضعف الأساسية على حالها؛ لذا ينبغي أن يقترن أي اتفاق عملي بتحسينات أمنيّة ملموسة تقابلها تغييرات واضحة في مدى استقلالية الفصائل المسلحة. ويتطلب ذلك: (١) انسحابا موثقا للقوات الأجنبية (٢) تعزيز حماية الحدود وتطوير قدرات دفاع جوي موثوقة (٣) التوصل إلى تفاهم أمني بين بغداد وأربيل (٤) وتحقيق استقلال مالي عن واشنطن.

وعليه، يقرأ البعض في العراق الانسحابَ الأمريكي على أنه يمثل محطة مهمة على طريق استعادة السيادة العراقية، لا اكتمالا لها. ويضيف استكمال تشكيل الحكومة في 15 أكتوبر بُعدا جديدا لهذا الاختبار؛ إذ أقر البرلمان شغل الحقائب الشاغرة وتعيين نواب لرئيس الوزراء، بينهم ليث الخزعلي، شقيق زعيم “عصائب أهل الحق” والخاضع لعقوبات أمريكية. ويشير ذلك إلى أن معالجة ملف السلاح تجري بالتوازي مع استمرار مشاركة شخصيات مرتبطة بالفصائل في السلطة. ومن ثم، فإن الاختبار هو ما إذا كانت هذه المشاركة ستقترن بخضوع فعلي للقرار العسكري للدولة، أم ستبقى الشراكة الحكومية منفصلة عن استقلالية الترسانات والقرارات العملياتية.

لا يستطيع الزيدي حل مسألة السلاح بمجرد تحديد مواعيد نهائية، كما لا تستطيع الفصائل حلها بالإصرار على الاحتفاظ بوضع استثنائي إلى أجل غير مسمى. وما لم تُثبت الدولة قدرتها على حماية العراق من الضغوط والإكراه الخارجي، فستظل مطالب نزع السلاح تواجه اعتراضا قويا يستند إلى اعتبارات السيادة. وسواء أكان هذا الاعتراض مدخلا لبناء دولة أقوى، أم مبررا لاستمرار انقسام السلطة إلى أجل غير مسمى، فإن الإجابة ستحدد مسار الصراع السياسي المقبل في العراق.

ابقَ على اطلاع دائم بأهم التحديثات

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تقرّ بأنك قد اطّلعت على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام وتوافق عليهما
أترك تعليقاً أترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقال السابق

الضفة الغربية: تحولات الاستيطان وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية

المقال التالي
الحرب على إيران وإمبراطورية الضباط الأمريكية

إمبراطورية الضباط وغواية الحرب