خلاصة القراءة
أدخلت تفاعلات 7 تشرين الأوّل 2023 الإقليم في صراع على أسس ترتيب شؤون المنطقة، وعلى موقع فلسطين وإيران وقوى المقاومة فيه. امتلكت الولايات المتّحدة وكيان الاحتلال تفوّقًا هائلًا في وسائل التّدمير، وألحقتا بإيران ومحور المقاومة خسائر جسيمةً. ومع ذلك، بقيت قدرة القوى المستهدفة على الاستمرار والرّدّ حاضرة في حسابات الحرب والتّفاوض. وأفضى ذلك إلى مأزقٍ استراتيجيٍّ للمعسكر المتفوّق عسكريًّا، إذ اتّسعت المسافة بين ما يستطيع تدميره وما يستطيع فرضه سياسيًّا، وارتفعت كلفة النّظام الّذي يسعى إلى تثبيته.
تخلص الدّراسة إلى تراجعٍ مهمٍّ في فاعليّة الهيمنة الأميركيّة، يتركّز في توفير الحماية وضبط التّصعيد وفرض التّسويات. وتحتفظ واشنطن بركائز ماليّةٍ وتسليحيّةٍ ومؤسّسيّةٍ واسعةٍ، لكنّ استخدامها بات يواجه مقاومة أشدّ وقبولًا أقلّ بنتائج القوّة بوصفها قواعد نهائيّة. وقد أسهم صمود إيران وقوى المقاومة في هذا التّحوّل عبر إحباط الإخضاع، وتوسيع كلفة الحرب، وإعادة القضيّة الفلسطينيّة إلى صلب معايير الشّرعيّة في الإقليم. والفارق بين ضخامة القدرة الأميركيّة وضعف مردودها السّياسيّ هو السّمة الأبرز للمرحلة، وهو ما يمنح الحديث عن إخفاقٍ استراتيجيٍّ مضمونًا يتجاوز مقارنة نتائج الضّربات العسكريّة.
خسرت إيران أجزاءً من عمقها الإقليميّ، وتعرّضت أراضيها ومنشآتها لهجماتٍ واسعةٍ، ثمّ أعادت توظيف ما بقي لديها من قدراتٍ لمنع خصومها من حسم الحرب. وأتاح ترابط السّاحات وتنوّع الفاعلين داخل محور المقاومة توسيع نطاق الضّغط على مصالح الخصوم وشبكاتهم خارج الجبهة الإيرانيّة. تكمن قيمة هذا الأداء في الحفاظ على استقلال القرار وإبقاء شروط التّسوية موضع تفاوض، فيما تظلّ إعادة البناء الاقتصاديّ وحماية المجتمعات وتطوير التّفاهمات الإقليميّة مهامّ لازمةً لتحويل الصّمود إلى مكاسب طويلة الأمد.
تتحرّك القوى العربيّة وتركيا داخل هذه البيئة عبر مزيجٍ من طلب الحماية وتنويع العلاقات والسّعي إلى تسوياتٍ تقلّل مخاطر التّعرّض للحرب. فالاعتماد على واشنطن يستمرّ، بينما تتزايد الحاجة إلى حماية المصالح من تبعات قراراتها أيضًا. وتفتح التّرتيبات الإقليميّة الجديدة مجالًا لاستقلال أوسع حين تستند إلى قدرةٍ فعليّةٍ على الدّفاع والتّمويل وتسوية الخلافات، وحين تستوعب مصالح إيران وأمن شعوب المنطقة بدل تحويل الإقليم إلى جبهات متقابلة على نحو دائم.
وتقع فلسطين في قلب هذا التّحوّل، لأنّ مقاومة الإقصاء أحبطت الرّهان على استقرارٍ يتجاوز أصحاب الأرض. واقترن هذا الإنجاز بخسائر كارثيّة فرضها العدوان، فأصبح البقاء والإعمار امتدادًا للصّراع على السّيادة. ومن هنا تتحدّد المرحلة التّالية بقدرة الفلسطينيّين وحلفائهم على تحويل منع التّصفية إلى حقوقٍ وحمايةٍ وتمثيلٍ وموارد للبناء.
فهرس المحتويات
خلاصة القراءة
1 ما الّذي ينبغي قياسه حين نتحدّث عن الهيمنة
القوّة والرّدع والهيمنة
خطّ الأساس وحدود الاستدلال
2 من احتواء التّناقضات إلى اتّساع الحرب
ما الّذي غيّره 7 تشرين الأوّل
الخسائر الّتي غيّرت العمق الإقليميّ
صعوبة تثبيت نتائج القوّة
3 التّفوّق العسكريّ ومعضلة الحماية
اختلاف المهمّة يغيّر معنى ميزان القوّة
تدفّقات هرمز ومحدوديّة السّيطرة
كلفة الدّفاع وحدود حجّة الاستنزاف
كيان الاحتلال بين التّفوّق وإدامة الحرب
4 فلسطين والمقاومة في الصّراع على ترتيب الإقليم
القضيّة الّتي لا يمكن تجاوزها
البقاء في الأرض وإعادة بناء المجتمع
الإعمار والتّمثيل وحدود الوصاية الخارجيّة
5 إيران من الدّفاع المتقدّم إلى توسيع كلفة الحرب
إعادة تنظيم القوّة بعد خسارة العمق
الصّمود والاستقلال وإعادة البناء
تحويل قوّة المنع إلى أمن متبادل
6 القوى الإقليميّة وهوامش الاستقلال
الخليج بين الخوف من إيران والخوف من الحرب عليها
اتّفاق مكّة وفرصة الموازنة الإقليميّة
اليمن والقدرة على التّأثير في الممرّات
مصر والعراق وسوريّة ولبنان
الأردن وفلسطين بوصفها مسألة أمن إقليميّ
7 ما الّذي تراجع في الهيمنة الأميركيّة وما الّذي بقي
البنية العسكريّة والتّسليحيّة
الحماية وإدارة سلوك الحلفاء
المال والتّكنولوجيا وأدوات النّفوذ طويلة الأمد
الشّرعيّة والمقبوليّة
8 الصّين وروسيا وحدود البديل الخارجيّ
9 الواقعيّة السّياسيّة وحصيلة الحرب على إيران
نقد الإفراط في الالتزام
ميرشايمر والفشل الاستراتيجيّ الأميركيّ
السّيادة والتّحرّر في قراءة عربيّة للواقعيّة
ركائز التّفوّق الأميركيّ وكلفة المحافظة عليها
10 حصيلة الميزان والمسارات الممكنة
التّراجع في الوظيفة أوسع من التّراجع في البنية
مسار تجدّد النّفوذ الأميركيّ
مسار توازن إقليميّ يقوم على التّفاوض
مسار الاستنزاف والتّفكّك
المؤشرات الّتي تفصل بين المسارات
خاتمة
المصادر والإحالات
1- ما الّذي ينبغي قياسه حين نتحدّث عن الهيمنة
القوّة والرّدع والهيمنة
يتحدّد الأثر السّياسيّ للقوّة بطبيعة المهمّة الّتي تسخّر لها، وباستجابة الطّرف الّذي تستخدم ضدّه. فالتّفوّق في الجو والبحر يمنح حرّيّةً واسعةً في الوصول إلى الأهداف وضربها، بينما تتطلّب إدارة إقليمٍ شديد التّعقيد تعاونًا محليًّا وضبطًا للحلفاء وقواعد يقبل الآخرون الالتزام بها. وفي مواجهة مشروعٍ يسعى إلى فرض هذه القواعد بالقوّة، يستطيع فاعل أضعف أن يكتسب وزنًا استراتيجيًّا من قدرته على تعطيل الإخضاع وصون قراره. لذلك يشمل الميزان وسائل السّيطرة، كما يشمل قدرة المقاومة على منع استخدامها وفق الغاية الّتي صمّمت من أجلها.
الرّدع هو منع الخصم من الإقدام على فعل قبل وقوعه، والإكراه هو حمل الخصم على القيام بفعلٍ أو التّراجع عنه. أمّا الهيمنة فهي علاقةٌ أوسع، تجمع بين التّفوّق في الموارد والقدرة على تحديد القواعد، والتّأثير في خيارات الحلفاء، وإدارة المنافع والعقوبات. ولا تشترط الهيمنة أن يطيع الجميع في كلّ مرّةٍ. لكنّها تضعف عندما تصبح الاستثناءات متكرّرة، وعندما ترتفع كلفة إنفاذ القواعد، وعندما يبدأ الحلفاء في البحث عن حمايةٍ من تبعات قرارات القوّة الّتي يفترض أنّها تحميهم.
قدّم باري بوزن إطارًا مفيدًا لفهم هذا التّفاوت حين ميّز بين السّيطرة الأميركيّة على المجالات البحريّة والجوّيّة والفضائيّة وبين ساحاتٍ تبقى موضع تنازعٍ. فالتّفوّق في الوصول إلى مسرح العمليّات يتيح المبادرة، ثمّ تتدخّل الجغرافيا والمجتمع ووسائل الخصم لتحديد فرص الحسم. وتزداد أهمّيّة هذا التّمييز أمام قوىً تستطيع توزيع قدراتها والإبقاء على بعض وسائل الرّدّ رغم الهجوم، فتحرم القوّة المتفوّقة من عائدٍ سياسيٍّ يتناسب مع حجم مواردها العسكريّة. [مرجع ١]يتطلّب الحكم على التّراجع، تبعًا لذلك، تتبّع اتّجاه التّغيّر في كلّ مجالٍ. قد يتراجع نفوذ دولة بالنّسبة إلى خصومها مع استمرار نموّ قوّتها المطلقة. وقد تبقى الأقوى بينما ترتفع الموارد الّتي تحتاجها للحصول على النّتيجة نفسها. وقد تتخلّى عن التزامٍ لا يخدمها فتخرج أقوى. الفارق بين إعادة توزيع الأعباء والانكفاء القسريّ لا تحدّده تحرّكات القوات وحدها، بل تحدّده النّتائج الّتي تبقى قادرة على ضمانها بعد تلك التّحرّكات.
ويتّضح التّفاوت بين القوّة والنّتيجة مع تعاقب مراحل الحرب. إصابة هدف تمنح نجاحًا تكتيكيًّا، وتعطيل شبكة إمدادٍ قد يغيّر مسار حملةٍ كاملةٍ، وتبقى الغاية السّياسيّة مرهونةً بقدرة الخصم على إعادة التّنظيم وبقبوله شروط إنهاء القتال. من هنا تستطيع المقاومة، رغم الخسائر العمليّاتيّة، الاحتفاظ بدورٍ استراتيجيٍّ حين تمنع الاستسلام أو الوصاية أو محو القضيّة الّتي تقاتل من أجلها. ويتّسع هذا الدّور بقدر ما يترجم إلى حمايةٍ للمجتمع وتنظيمٍ سياسيٍّ قادرٍ على الاستفادة من الخيارات الّتي يحفظها الصّمود.
خطّ الأساس وحدود الاستدلال
تقارن الدّراسة بين ذروة الهيمنة الأميركيّة بعد نهاية الحرب الباردة وبين النّظام القائم عشيّة 7 تشرين الأوّل 2023. في التّسعينيات اتّسعت حرّيّة واشنطن في إعادة تشكيل المنطقة، ثمّ راكمت الحروب المكلفة وتعثّر التّسويات وتنامي قدرات خصومها قيودًا على تلك الحرّيّة. وجاءت حرب غزّة وتفاعلاتها لتكشف هشاشة توازناتٍ كانت تبدو قابلة للإدارة، ولتسرّع انتقال بعض القيود من اعتراضٍ سياسيٍّ إلى كلفةٍ عسكريّةٍ واقتصاديّةٍ مباشرةٍ. بذلك تجمع المرحلة الجديدة بين تراكمٍ طويلٍ وصدمةٍ أعادت ترتيب أولويّات الإقليم.
ظهر البحث عن تخفيف الاستقطاب وتنويع الوساطة قبل الحرب في الاتّفاق السّعوديّ الإيرانيّ برعاية الصّين في 10 آذار 2023. نصّ البيان الثّلاثيّ على استئناف العلاقات واحترام السّيادة وعدم التّدخّل، وأقرّ بدور العراق وعمان في جولات الحوار السّابقة. أوجد الاتّفاق إمكانيّةً لتنظيم المصالح عبر تفاهمٍ إقليميٍّ ترعاه قوّةٌ خارج المنظومة الأميركيّة، وأبرز أنّ التّنافس السّعوديّ الإيرانيّ قابل للإدارة سياسيًّا حين تتوافر مصلحةٌ مشتركةٌ في خفض الكلفة. جاءت الحرب لاحقًا لتضع هذا المسار أمام ضغوطٍ أعادت تعقيد العلاقة بين التّهدئة والأمن. [مرجع ٢]تمتدّ القراءة حتّى 7 تشرين الأوّل 2026، وتشمل الخليج والمشرق وفلسطين والبحر الأحمر، وتتناول باكستان والصّين وروسيا بحسب أثرها في توازنات هذه السّاحات. وتقرأ البيانات ضمن فتراتها ووحداتها، فتوضح حصص التّسليح والاحتياطيات الماليّة بنية القوّة القائمة، بينما تكشف تقارير الحرب والملاحة والتّفاوض اتّجاه التّغيّر فيها. وتستمدّ الحجّة قوّتها من الجمع بين هذه المستويات، ومن مقارنة الغايات المعلنة بالنّتائج الّتي أمكن ترسيخها على الأرض.
تستند الدّراسة في توثيقها إلى التّقارير والوثائق والمصادر العامّة المدرجة في المراجع، وتفرض محدوديّة البيانات العلنيّة عن المخزونات وجاهزيّة القواعد والمداولات السّياسيّة قدرًا من التّحفّظ في التّفاصيل العسكريّة، فيما تتيح الوقائع الأوسع المتعلّقة باستمرار الرّدّ وتعطّل التّسويات وكلفة الحماية أساسًا أوثق لتقدير التّحوّل. وتبقى المسارات المستقبليّة رهينة الخيارات السّياسيّة وقدرة الأطراف على التّعلّم وإعادة البناء.
2- من احتواء التّناقضات إلى اتّساع الحرب
ما الّذي غيّره 7 تشرين الأوّل
اهتز في 7 تشرين الأوّل مشروعٌ يجمع بين استمرار التّفوّق العسكريّ لكيان الاحتلال وتوسيع اندماجه في الإقليم، مع إبقاء فلسطين تحت إدارةٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ تحول دون تسويةٍ لحقوق شعبها. فقد أعادت المبادرة الفلسطينيّة فتح مسألة اعتبر احتواؤها ممكنًا بالتّكنولوجيا والحصار والتّطبيع. وتجاوز أثر الصّدمة حدود الاختراق الأمنيّ إلى الافتراض السّياسيّ الّذي قام عليه التّرتيب السّابق، وهو إمكان تأسيس استقرارٍ طويل الأمد مع استمرار الاحتلال وإقصاء الفلسطينيّين عن تقرير مستقبلهم. ومذ تلك اللّحظة باتت كلفة تجاوز فلسطين جزءًا مباشرًا من حسابات الإقليم.
قابل كيان الاحتلال هذا الانكشاف بحرب تدميرٍ واسعةٍ، مستفيدًا من تفاوت القوّة ومن الإسناد الأميركيّ. وتحمّل المجتمع الفلسطينيّ كلفةً هائلةً في الأرواح وشروط الحياة. تضع هذه الحصيلة بقاء الشّعب في أرضه واستمرار قدرته على التّنظيم في مركز التّقييم الاستراتيجيّ، لأنّ مشروع السّيطرة يستهدف أيضًا البيئة الّتي تنتج المقاومة وتحملها. وتغدو حماية المجتمع وإعادة بنائه وجهًا من وجوه الصّراع على المستقبل، بالتّوازي مع المحافظة على حضور القضيّة وقدرة أصحابها على رفض التّسوية المفروضة.
توسّعت المواجهة عبر ساحاتٍ تتداخل فيها الحسابات الفلسطينيّة واللّبنانيّة والإيرانيّة واليمنيّة والعراقيّة. وتمنح هذه الشّبكة محور المقاومة قدرةً على توزيع الضّغط وتبادل الخبرة، فيما يرتبط كلّ مكوّن بقاعدته الاجتماعيّة وجغرافيته وأولويّاته الوطنيّة. ينشأ التّماسك هنا من تقاطع المصالح ومواجهة خصومٍ مشتركين، مع تفاوت في درجات التّنسيق والمخاطر. وتساعد هذه الطّبيعة على تفسير استمرار الفاعليّة رغم الضّربات الّتي أصابت مراكز قياديةٍ وطرق إمدادٍ، كما تفسّر اختلاف إيقاع الانخراط والتّفاوض بين ساحةٍ وأخرى.
الخسائر الّتي غيّرت العمق الإقليميّ
أصابت الضّربات الّتي تعرّض لها حزب اللّه، ثمّ سقوط حكم الرئيس الأسد الممانع في كانون الأوّل 2024، بنية العمق الإقليميّ لإيران ومحور المقاومة. تشرح نيكول غراجيفسكي كيف تضافر تدهور بنية القيادة الإيرانيّة في سوريّة وإضعاف حزب اللّه وانسحاب الحلفاء مع انهيار الجيش السّوريّ. وفقدت نتيجة ذلك مواقع وخطوط كانت مهمّةً للإمداد والانتشار، فاضطرّ المحور إلى مواجهة وضعٍ أكثر انكشافًا وإلى إعادة تقدير العلاقة بين الدّفاع عن الحلفاء والدّفاع عن مراكزه الأساسيّة. [مرجع ٣]تراكبت هذه الخسائر مع هشاشةٍ داخليّةٍ في سوريّة تراكمت على مدى سنواتٍ في الدّولة والجيش وعلاقة الحكم بالمجتمع. وعندما تسارعت وتيرة الانهيار، كانت قدرة الحلفاء على التّدخّل قد ضاقت بالفعل. تكشف التّجربة أنّ عمق المقاومة يتأثّر بنوعيّة الدّول والمؤسّسات الّتي يتّصل بها، وأنّ استدامة خطوط الإمداد تحتاج بيئةً سياسيّةً واجتماعيّةً متماسكةً. فالاعتماد الأمنيّ على شريكٍ مستنزفٍ ينقل إلى حلفائه بعض أزماته، مهما بلغت قيمة موقعه الجغرافيّ.
ثمّ نقلت حرب حزيران 2025 والحملة الأميركيّة الإسرائيليّة الّتي بدأت في 28 شباط 2026 المواجهة المباشرة مع إيران إلى مستوى أشدّ اتّساعًا. وفي تقييمه المبكر، جمع إميل الحكيّم بين رصد التّفوّق العمليّاتيّ للمهاجمين وبين استمرار الرّدّ الإيرانيّ وتعذّر فرض الاستسلام أو إحداث التّحوّل السّياسيّ المأمول. أتاحت هذه المفارقة لإيران مساحة لاستعادة المبادرة بأساليب تعوض تفاوت القوّة، عبر المحافظة على أدوات قادرة على فرض كلفة تتجاوز نطاق الأهداف الّتي تقصف داخل أراضيها. [مرجع ٤]تبدّلت شدّة المواجهة وأدواتها خلال الشّهور اللّاحقة. فقد أنهت هدنة 8 نيسان 2026 مرحلة القتال الأولى الممتدّة أربعين يومًا، ثمّ تواصلت مواجهاتٌ متقطعةٌ وضغوطٌ اقتصاديّةٌ ومساعٍ تفاوضيّة. ويعرض تقرير رويترز مطلع تشرين الأوّل استعدادًا إيرانيًّا لردّ أشدّ إذا تجدّد الهجوم، في ظلّ تعثّر التّفاوض والخلاف على شروطه. أبقت هذه الجولة الحرب دون حسم سياسيّ، مع انتقال مركز الضّغط بين القصف والحصار والمساومة بدل الوصول إلى خاتمةٍ تحقّق أهداف الحملة الأولى. [مرجع ٥]
صعوبة تثبيت نتائج القوّة
أتاحت الخسائر الّتي أصابت محور المقاومة فرصًا لخصومه، ثمّ اصطدمت هذه الفرص بتناقضات السّاحات نفسها. ففي سوريّة تتقاطع مصالح تركيا والولايات المتّحدة وكيان الاحتلال والقوى العربيّة. وفي لبنان يرتبط مستقبل القوّة المسلّحة بحماية الجنوب والإعمار والثّقة بين الجماعات. وفي إيران بقيت ملفات النّوويّ والملاحة والضّمانات الأمنيّة متداخلة. ويتطلّب تثبيت أيّ ترتيبٍ جديدٍ معالجة هذه المصالح، وهو عملٌ سياسيٌّ لا تنجزه إزالة قائدٍ أو تدمير منشأةٍ، مهما كانت القيمة العسكريّة للعمليّة.
تتيح هذه البيئة للقوى المستهدفة مجالًا لإعادة التّنظيم والتّأثير في شروط التّسوية. كما تتيح للدّول الأضعف التّفاوض على موقعها بين الرّعاة المتنافسين. وقد شدّد وليد حزبون ومارك لينش على فاعليّة هؤلاء اللّاعبين في التّكيّف مع تبدّل الحماية والتّهديد. وتكتسب هذه القراءة أهمّيّة خاصّة لفهم تراجع احتكار الولايات المتّحدة للنّفوذ، إذ تستطيع قوىً محدودة الموارد تغيير مسار تشكّل النّظام الإقليميّ حين تنجح في منع استقرار القواعد المفروضة عليها وفتح بدائل جزئيّةٍ أمام الآخرين. [مرجع ٦]
3- التّفوّق العسكريّ ومعضلة الحماية
اختلاف المهمّة يغيّر معنى ميزان القوّة
تحتاج الولايات المتّحدة إلى حماية قواعدها والحفاظ على الملاحة وطمأنة حلفائها وإدامة عمليّاتها في جغرافيا واسعةٍ. وتستطيع إيران وقوى المقاومة تركيز جهد أقلّ على نقاطٍ يضاعف موقعها أثر الإصابة أو التّهديد. يمنح اختلاف طبيعة المهمات الطّرف الأضعف فرصة لتعديل الميزان، لأنّ إبقاء احتمال الاختراق قائمًا قد يفرض موارد للانتشار والاعتراض والتّأمين تفوق كثيرًا الموارد اللّازمة لإنتاج ذلك الاحتمال. وتصبح القدرة على الاستمرار، مع اختيار مواضع الضّغط، عنصرًا يعوّض جانبًا من تفاوت أنظمة التّسليح والإنفاق.
تظهر هذه المعادلة بوضوح في البنية الّتي تتيح لواشنطن العمل بعيدًا عن أراضيها. فالمطارات والموانئ والرّادارات ومراكز القيادة تمنحها قدرة على نشر قواتها والعمل عسكريًّا خارج أراضيها، وتستدعي في الوقت نفسه الدّفاع عن شبكةٍ واسعةٍ من القواعد والمنشآت. وكلّما اقتربت هذه الشّبكة من مجال الرّدّ الإيرانيّ، اتّسعت التزامات حمايتها وتوزيع منشآتها وإصلاحها. ويغدو الانتشار مصدرًا للقوّة وللتّعرّض للهجوم معًا، بينما تستطيع المقاومة تحويل بعض ميزات القرب الأميركيّ إلى كلفةٍ مباشرةٍ يتحمّلها الرّاعي والدّول المضيفة.
لفت ستيفن والت، في ندوةٍ لمعهد كوينسي في نيسان 2026، إلى أنّ أمن هرمز يتعلّق باستعداد الشّركات للإبحار وكلفة التّأمين، إلى جانب القدرة العسكريّة على تأمين العبور. وربط تفاوت تحمّل الكلفة بطبيعة الحرب، بوصفها خيارًا لدى واشنطن وقضيّة بقاء لدى القيادة الإيرانيّة. يمنح هذا التّفاوت الصّمود الإيرانيّ وزنًا سياسيًّا إضافيًّا، لأنّ الحرب المستمرّة تقتضي من الطّرف المبادر تبرير استمرارها وفوائدها، بينما يجد الطّرف المستهدف حافزًا قويًّا لمنع فرض التّبعيّة عليه. [مرجع ٧]
تدفّقات هرمز ومحدوديّة السّيطرة
تقدّر إدارة معلومات الطّاقة الأميركيّة أنّ تدفّقات النّفط عبر هرمز انخفضت من 21.6 مليون برميل يوميًّا في الرّبع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين في الرّبع الثّاني من 2026. وتراجع تدفّق الغاز الطّبيعيّ المسال عبره، في المقارنة نفسها، من 10.5 مليارات قدم مكعّب يوميًّا إلى 0.8 مليار. تعود هذه الأرقام إلى إصدار 12 آب 2026، وتعتمد على تتبّع النّاقلات وتقديراتٍ مكمّلةٍ. وتنبّه الإدارة إلى اضطراب إشارات التّتبّع وإمكان مراجعة تقديرات 2026. [مرجع ٨]تكشف هذه الفجوة مقدار الاضطراب الّذي أصاب إحدى الوظائف المركزيّة للنّظام الأميركيّ في الخليج. فقد اجتمعت مخاطر الهجوم والحصار وتوقّف الإنتاج وحذر النّاقلات وشركات التّأمين فتقلّص النّشاط التّجاريّ الّذي كانت الحماية الأميركيّة تعد بضمان استمراره. واستفادت إيران من هذه الأهمّيّة الجغرافيّة والاقتصاديّة لتوسيع أثر ردّها، فأصبح أمن الطّاقة جزءًا من كلفة الحرب عليها. بهذا المعنى، يستمدّ الرّدّ غير المتكافئ فاعليّته من التّرابط بين المعركة والسّوق ومن صعوبة عزل الطّرف المستهدف عن محيطه.
شهدت التّدفّقات لاحقًا تعافيًا جزئيًّا. ففي 11 أيلول 2026 نقلت أسوشيتد برس عن بيانات كبلر ارتفاع صادرات النّفط غير الإيرانيّ إلى نحو 8.4 ملايين برميل يوميًّا، مع اعتماد استمرارها على انتشارٍ أميركيٍّ كثيفٍ، وتراجعٍ حادٍ في الصّادرات الإيرانيّة. [مرجع ٩] ظلت الملاحة بذلك ساحة تنازعٍ تتغيّر فيها موازين الضّغط. وقد حقّقت واشنطن تحسّنًا عمليّاتيًّا، بينما بقي انتظام التّجارة مرتبطًا بكلفة الحماية واحتمالات التّصعيد وبالتّوصّل إلى تفاهمٍ سياسيٍّ. وهذه العلاقة هي الّتي تعطي هرمز وزنه في تقييم الحصيلة الاستراتيجيّة للحرب.
كلفة الدّفاع وحدود حجّة الاستنزاف
تطرح المواجهة الممتدّة مسألة العلاقة بين القدرة على الإنتاج والقدرة على إدامة الدّفاع. فحماية منشأةٍ حيويّةٍ قد تبرر إنفاقًا باهظًا على اعتراض الهجمات، لكن تكرار التّهديد يربط نجاح الدّفاع بمخزون الذّخائر وسرعة التّعويض وتعدّد الجبهات. وتستفيد القوى الأقلّ تسليحًا من إجبار خصمها على الاحتفاظ بجاهزيّةٍ مرتفعةٍ وتوزيع موارد نادرةً لحماية أهدافٍ كثيرةٍ. تتحدّد فاعليّة هذا الاستنزاف بقدرة الطّرفين على التّجديد والتّكيّف، وبحجم الموارد الّتي تحجب عن مهامّ أخرى كلّما طال القتال.
يقدّر مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون كلفة الأنشطة العسكريّة الأميركيّة الإضافيّة في الإقليم بين 7 تشرين الأوّل 2023 وأيلول 2025 بما بين 9.65 و12.07 مليار دولار، وفق دراسة ليندا بيلمز. ومع المساعدات العسكريّة لكيان الاحتلال البالغة 21.7 مليار دولار في دراسةٍ مرافقةٍ، يصل مجموع تقديرات تلك الفترة إلى 31.35–33.77 مليار دولار. وقد تراكم هذا الالتزام قبل اندلاع حرب 2026، فدخلت واشنطن المواجهة الأوسع وهي تتحمّل بالفعل أعباءً متزايدةً لإدامة العمليّات وحماية الحلفاء. [مرجع ١٠]تنشأ المعضلة الأميركيّة من مردود هذا الإنفاق ومن الوقت والقدرة الصّناعيّة اللّازمين لتعويض الموارد المستهلكة. فالدّولة الغنيّة تستطيع تمويل حملةٍ طويلةٍ، لكنّها تحتاج إلى تبرير ما تحققه من أمن ونفوذ مقابل هذا الإنفاق. وكلّما استمرت القدرة الإيرانيّة على الرّدّ وتواصلت أزمات الممرّات، ازدادت صعوبة تقديم الكلفة بوصفها استثمارًا يقرّب الوصول إلى نهاية الحرب. وتظلّ زيادة الإنتاج وتطوير وسائل دفاع أقلّ كلفة مساراتٍ أميركيّةً ممكنةً، إلاّ أنّ آثارها تحتاج وقتًا وقراراتٍ وتخصيصًا للموارد على حساب أولويّاتٍ منافسةٍ.
كيان الاحتلال بين التّفوّق وإدامة الحرب
تعرّض ميزان القوّة المحيط بكيان الاحتلال لتغيّراتٍ متعارضةٍ. فقد انكشفت في بداية الحرب قابليّة منظومته الأمنيّة للاختراق، ثمّ أظهرت حملاته قدرةً واسعةً على استهداف القيادات والبنى العسكريّة في أكثر من ساحة. وأدّى تضرّر خصومه وخسارة إيران لمواقع متقدّمةٍ إلى توسيع حرّيّة حركته. لكن الانتقال من هذه الحرّيّة إلى هيمنةٍ إقليميّةٍ مستقرّةٍ يحتاج قبولًا وترتيباتٍ أمنيّةً تتجاوز إخضاع الجوار بالقوّة.
يتّصل التّفوّق الإسرائيليّ اتّصالًا عميقًا بالإمداد الخارجيّ. فبحسب بيانات معهد ستوكهولم للفترة 2021–2025، قدّمت الولايات المتّحدة 68% من واردات كيان الاحتلال من الأسلحة الرّئيسيّة، وألمانيا 31%. تعمل هذه الواردات إلى جانب صناعةٍ عسكريّةٍ محليّةٍ متقدّمةٍ، وتربط إدامة الحملات بعلاقات تمويل وتوريد وحمايةٍ سياسيّةٍ خارجيّةٍ. لذلك يمتدّ ميزان المواجهة إلى كلفة استمرار الرّعاة في الدّعم، وإلى الضّغوط الّتي تنشأ في مجتمعاتهم وحساباتهم الإقليميّة كلّما امتدّت الحرب. [مرجع ١١]يفرض السّعي الإسرائيليّ إلى أمنٍ يقوم على تجريد الجوار من كلّ قدرةٍ على الرّدّ تناقضًا مع استقرار الإقليم. فهو يدفع مطالب الأمن نحو التّوسّع، ويجعل التّسويات مؤقّتة ما دامت أيّ قدرةٍ مستقلّةٍ لدى الآخرين تعامل بوصفها خطرًا ينبغي إزالته. ومن هذه الزّاوية، تؤدّي قدرة المقاومة على الرّدّ وظيفة الحدّ من حرّيّة الاعتداء ورفع ثمنه. كما تنشأ لدى دولٍ أخرى مصلحةٌ في قيودٍ إقليميّةٍ على التّفوّق الإسرائيليّ، حتّى حين تختلف مع إيران أو مع بعض مكوّنات المحور.
وتبقى أمام كيان الاحتلال معضلة تحويل القوّة إلى نهايةٍ سياسيّةٍ. إذا صار كلّ نجاحٍ عسكريٍّ مقدّمةً لحملةٍ أخرى، فسيغدو استمرار التّفوّق محتاجًا إلى جاهزيّةٍ وتعبئةٍ ودعمٍ متجدّدين. أمّا إذا استطاع ترجمة النّجاحات إلى اتّفاق على الحدود والتزاماتٍ متبادلةٍ، فستكون كلفة صيانتها أقلّ. القضيّة، إذن، ليست غياب القدرة على الانتصار في معركةٍ، بل شكل الأمن الّذي يراد إرساؤه بعد المعركة ومدى قابليّته للتّعايش مع سيادة الآخرين وحقوق الفلسطينيّين.
4- فلسطين والمقاومة في الصّراع على ترتيب الإقليم
القضيّة الّتي لا يمكن تجاوزها
أعادت المقاومة الفلسطينيّة وصل القضيّة بمسألة شرعيّة النّظام الإقليميّ، بعدما سعى مسار التّطبيع إلى تجاوزها أو اختزالها في إدارة السّكان والأمن. وأصبح تعثّر إخضاع غزّة عبئًا على مشروعٍ يجعل التّفوّق الإسرائيليّ أساسًا للاستقرار. وتستمدّ هذه العودة أهمّيّتها من بقاء شعبٍ يطالب بالأرض والسّيادة وحرّيّة الحركة والتّمثيل، ومن قدرة مقاومته على منع تحويل التّفاوت العسكريّ إلى تفويضٍ سياسيٍّ دائمٍ للاحتلال. وتظلّ قيمة الحضور الدّوليّ للقضيّة مرتبطة بما يفتحه من إمكاناتٍ فعليّةٍ لتحسين شروط الصّراع.
منحت محكمة العدل الدّوليّة هذا السّياق بعدًا قانونيًّا واضحًا في رأيها الاستشاريّ الصّادر في 19 تموز 2024، حين خلصت إلى عدم مشروعيّة استمرار وجود «إسرائيل» في الأرض الفلسطينيّة المحتلّة، وربطت ذلك بالضّمّ والسّيطرة الدّائمة وإحباط حقّ تقرير المصير. يوسّع هذا الرّأي المجال المتاح لمساءلة الاحتلال وداعميه، ويضع استمرار السّيطرة في مواجهة التزاماتٍ قانونيّةٍ معلنةٍ. ويتوقّف أثره السّياسيّ على قدرة الفلسطينيّين وحلفائهم على توظيف هذه المرجعيّة عبر أدوات ضغطٍ وتنظيمٍ ومحاسبةٍ. [مرجع ١٢]
البقاء في الأرض وإعادة بناء المجتمع
تكشف أرقام التّقييم المشترك للبنك الدّوليّ والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، المنشور في نيسان 2026، حجم المهمّة الّتي تواجه المجتمع الفلسطينيّ. فقد بلغت الأضرار المادّيّة المباشرة في غزّة حتّى 9 تشرين الأوّل 2025 نحو 35.2 مليار دولار، وقدّرت الخسائر الاقتصاديّة بنحو 22.7 مليارًا، واحتياجات التّعافي والإعمار المستقبليّة بنحو 71.4 مليارًا. تعكس هذه الفئات جوانب مترابطةً من تدمير الثّروة وتعطّل النّشاط وكلفة استعادة الحياة، وتفسّر كيف تمتدّ نتائج العدوان إلى قدرة المجتمع على الفعل لسنواتٍ. [مرجع ١٣]تدخل المساكن والمدارس والمرافق والعمل ضمن البنية المادّيّة للصّمود. فكلّ مورد يتيح للنّاس البقاء في أرضهم ويحمي استقلالهم عن شروط الإغاثة القسريّة يغيّر جانبًا من ميزان القوّة. ومن هنا تصبح إعادة الإعمار ساحة صراعٍ على تحديد من يقرّر المستقبل ومن يسيطر على التّمويل والمعابر وشروط الاستفادة منه. وتمتلك المقاومة الوطنيّة مصلحةً في ربط الدّفاع عن الأرض ببرنامجٍ يضمن التّعافي الاجتماعيّ والاقتصاديّ ويعطي النّاس دورًا في تحديد الأولويّات والرّقابة على الموارد.
حافظت المقاومة على حضور القضيّة وعلى إمكانيّة رفض الإلغاء، وتواجه الآن مهمّة تحويل هذا الرّصيد إلى حمايةٍ وحقوقٍ ومؤسّساتٍ. ويقتضي ذلك توسيع المشاركة الفلسطينيّة وتطوير التّمثيل وتخفيف الكلفة عن المجتمع، مع صون القدرة على رفض الوصاية. ويظلّ المعتدي مسؤولًا عن تدمير مقوّمات حياة المجتمع الواقع تحت الاحتلال، بينما تتحدّد مسؤوليّة القيادة الوطنيّة بحسن إدارة ما بقي من موارد وخيارات وبقدرتها على حماية النّاس من استمرار الاستنزاف.
الإعمار والتّمثيل وحدود الوصاية الخارجيّة
أظهر القرار 2803، الّذي اعتمده مجلس الأمن في 17 تشرين الثّاني 2025 بأغلبية ثلاثة عشر صوتًا وامتناع الصّين وروسيا، استمرار قدرة واشنطن على صياغة الأطر الدّوليّة. فقد أيّد خطّة طرحها ترامب، ورحّب بـ«مجلس سلام» بصفة إدارة انتقاليّة، وأجاز قوّةً دوليّةً مؤقّتةً لتحقيق الاستقرار. [مرجع ١٤] ومن منظور فلسطينيّ، يتركّز الصّراع داخل هذا الإطار على مصدر السّلطة ومدّة الانتقال وحقوق السّكان وقدرتهم على تقرير مستقبلهم. وتظلّ الشّرعيّة الوطنيّة عاملًا حاسمًا في قبول أيّ ترتيبٍ وفي قدرته على الاستمرار.
وفي أيلول 2026 أعلنت خطّةٌ أوليّةٌ لإعمار غزّة بقيمة 2.45 مليار دولار تشمل ستة وستين مشروعًا، فيما بقي التّنفيذ عالقًا بالخلافات بشأن الانسحاب والسّلاح والحكم. [مرجع ١٥] تبدو هذه الحزمة محدودة أمام الاحتياجات الكلّيّة، وتكشف في الوقت نفسه تشابك التّمويل مع شروط التّسوية. فالمعابر والانسحاب والضّمانات تحدّد ما يصل إلى المجتمع ومتى يصل، وتمنح من يتحكّم بها نفوذًا يتجاوز قيمة الأموال المعلنة. لذلك يتّصل الحقّ في الإعمار مباشرة بمعركة إنهاء السّيطرة وتمكين الفلسطينيّين من إدارة شؤونهم.
تحتاج أيّ تسويةٍ قابلةٍ للحياة إلى التّعامل مع الفلسطينيّين بوصفهم أصحاب الأرض والقرار. وقدرة المقاومة على تعطيل ترتيبات تتجاوزهم تمنح هذا المبدأ وزنًا تفاوضيًّا، ثمّ تتطلّب ترجمته إلى مشروعٍ جامعٍ يربط الانسحاب والإعمار والحقوق بضماناتٍ عمليّةٍ. أمّا ربط رفع المعاناة بتنازلات تنزع أدوات التّأثير قبل تأمين الحقوق فيكرّس تفاوت القوّة الّذي فجّر الأزمة. وتبقى واشنطن أمام مأزق الجمع بين دعمها للاحتلال وادعاء رعاية استقرارٍ يقبله من وقع عليهم العدوان.
5- إيران من الدّفاع المتقدّم إلى توسيع كلفة الحرب
إعادة تنظيم القوّة بعد خسارة العمق
بنت إيران جزءًا مهمًّا من أمنها على شراكاتٍ إقليميّةٍ تبعد المواجهة عن أراضيها وتحدّ من حرّيّة خصومها. وتعرّضت هذه البنية لخسائر كبيرةٍ، لكنّها تضمّ قوىً متجذّرةً في بيئاتها الوطنيّة. فحزب اللّه مرتبط بتاريخ الصّراع على حماية لبنان، وأنصار اللّه بحسابات يمنيّة وبنيةٍ اجتماعيّةٍ ومحليّةٍ، والفصائل العراقيّة بتوازنات داخل دولةٍ ذات موارد وعلاقاتٍ متعدّدةٍ. وتمنح هذه الجذور المحور قدرًا من المرونة، إذ تستمدّ مكوّناته دوافع استمرارها من ساحاتها نفسها، إلى جانب ما تتلقّاه من دعمٍ وما يجمعها من أهداف.
يقرأ سينا طوسي التّحوّل في التّفكير الرّدعيّ الإيرانيّ بوصفه انتقالًا نحو تصعيدٍ مضادٍّ مستمرٍّ، تقابل فيه الضّغوط على إيران بضغوط تمتدّ إلى نطاقٍ جغرافيٍّ أوسع. يستند هذا الاتّجاه إلى تطوير أفكارٍ سابقةٍ بشأن ربط الأمن الإيرانيّ بأمن المحيط الّذي يستخدمه الخصم للانتشار والتّجارة. ومن خلاله تسعى طهران إلى جعل قرار الهجوم مقترنًا بكلفةٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ يصعب حصرها داخل حدود إيران، وإلى جعل هذه الكلفة جزءًا من الحسابات الّتي تسبق أيّ تصعيدٍ جديدٍ. [مرجع ١٦]يمثّل ذلك تكيّفًا استراتيجيًّا مع انكشاف مواقع الدّفاع المتقدّم. فبدل تركيز التّقييم على المواقع الّتي فقدت وحدها، تبرز قدرة إيران على إعادة توزيع ما بقي لديها من وسائل بين الرّدّ المباشر والعمل في المجال البحريّ والضّغط السّياسيّ. ويمكن لهذه القدرة أن تفرض الاعتراف بمصالحها عندما تصبح كلفة تجاهلها مرتفعة. وتحتاج طهران إلى ترجمة هذا الاعتراف إلى طرحٍ أمنيٍّ إقليميٍّ مقبولٍ، حتّى يتحوّل القلق الّذي تثيره الحرب إلى حافز لتسويةٍ متبادلةٍ، بدل أن يستقرّ في تحالفاتٍ دائمةٍ ضدّها.
الصّمود والاستقلال وإعادة البناء
اكتسب بقاء مؤسّسات القرار الإيرانيّ واستمرار الرّدّ قيمةً استراتيجيّةً لأنّ الهجوم استهدف إرادة الدّولة وقدرتها على رفض الشّروط الخارجيّة. فحين يحتفظ الطّرف المستهدف بقراره بعد ضربةٍ واسعةٍ، يضيق المجال المتاح لفرض نهايةٍ سريعةٍ للحرب. ويتعزّز هذا الإنجاز بقدرة الاقتصاد والمجتمع على الاستمرار وبالحفاظ على وسائل ردٍّ متجدّدةٍ. ثمّ تأتي إعادة البناء لتحدّد مدى استدامته، ولتحوّل الاستقلال الّذي جرى الحفاظ عليه إلى أمنٍ ومقوّمات معيشةٍ وقدرةٍ سياسيّةٍ على تحمّل مرحلةٍ أطول من الصّراع أو التّفاوض.
أعادت الحرب تشكيل الرّدع على مستوياتٍ متعدّدةٍ. ظهرت قدرة إيران على حماية بعض منشآتها، بينما بقي توسيع الحرب وإدامتها مرتبطين بمخاطر الرّدّ وبكلفة الانتشار الأميركيّ. ويمنح هذا الرّدع الجزئيّ طهران هامشًا تتحرّك فيه لتمنع خصمها من اختيار مستوى العنف وموعد نهايته منفردًا. وتتحدّد قوّته بقدرة القيادة على إبقاء التّهديد مقنعًا وعلى توجيهه نحو غاياتٍ سياسيّةٍ واضحةٍ، مع المحافظة على موارد الصّمود وتقليل تعرّض المجتمع لدوراتٍ مفتوحةٍ من الأذى.
وتنشأ داخل هذه الاستراتيجيّة مفاضلةٌ بين تخفيف الأعباء الاقتصاديّة والاحتفاظ بضمانات الرّدع. يمكن للقيادة أن ترى في التّفاوض وسيلةً لاستعادة الموارد، وأن تخشى في الوقت نفسه أن يؤدّي تقديم أدوات الضّغط مبكرًا إلى تجدّد الإملاء بعد الاتّفاق. وتستطيع المقاومة والدّبلوماسيّة العمل في مسارٍ واحدٍ حين ترتبط التّنازلات بخطواتٍ متبادلةٍ وضماناتٍ قابلةٍ للتّنفيذ. ومن هذه الزّاوية، يصبح أمن المجتمع والاقتصاد جزءًا من الحساب الرّدعيّ نفسه، لأنّ القدرة على مواصلة الرّفض تتآكل إذا استنزفت مقوّمات الحياة الّتي تستند إليها.
يزيد الملف النّوويّ تعقيد تحويل الضّربات إلى تسوية. ففي أيلول 2026، أعلن رافائيل غروسي أنّ غياب المعلومات وتعذّر الوصول يمنعان الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّرّيّة من أداء مهامّ التّحقّق في المنشآت المعنية، وأنّ الوكالة فقدت القدرة على تتبّع المخزونات على نحو متواصل. [مرجع ١٧] تبقى صورة البرنامج، تبعًا لذلك، محاطة بغموضٍ يصعب تجاوزه عسكريًّا.
وقد تشجّع الضّربات مزيدًا من التّحصين وتوزيع المنشآت والاعتماد على الغموض، تبعًا لما تقرّره القيادة الإيرانيّة وما يتبقّى من قدرات. وتواجه واشنطن هنا أثرًا عكسيًّا محتملًا، إذ يمكن للهجوم على البنية التّقنيّة أن يزيد قيمة الرّدع في حسابات الدّولة المستهدفة ويضعف ثقتها بالقيود التّفاوضيّة. يصبح تخفيف الخطر النّوويّ مرتبطًا بإمكان بناء التزامٍ متبادلٍ يحفظ الأمن ويتيح التّحقّق، وبقدرة الاتّفاق على الصّمود أمام تغيّر الإدارات أو عودة الضّغط العسكريّ.
تحويل قوّة المنع إلى أمن متبادل
تضع إيران أمنها في مواجهة تصوّرٍ يتيح للولايات المتّحدة حرّيّة استخدام أراضي الإقليم ضدّها ثمّ يطالبها بحصر الرّدّ داخل حدودها. ويكسر توسيع كلفة الاعتداء هذا الامتياز، لكنّه ينقل الضّغوط إلى دولٍ ومجتمعاتٍ تملك مصالح ومخاوف مستقلّةً. ومن مصلحة طهران أن تميّز سياسيًّا بين منع استخدام أراضي الجوار للهجوم وبين إقامة خصومةٍ دائمةٍ معه، وأن تمنح دوله حوافز ملموسةً لتحويل الحياد والتّفاهم إلى بديل مجدٍ عن الانخراط في الحرب.
يمكن أن تنطلق هذه المقاربة من ضماناتٍ متبادلةٍ بشأن السّيادة والملاحة وعدم استخدام الأراضي للاعتداء، مع آليّاتٍ للتّواصل ومعالجة الحوادث. وتكون قدرة المقاومة على المنع إحدى قواعد التّفاوض الّذي يحول دون فرض تصوّرٍ للأمن من طرفٍ واحدٍ. ويحتاج نجاحه إلى التزاماتٍ تحمي المدنيّين والمنشآت المدنيّة وإلى موارد تعيد بناء الثّقة، لأنّ بقاء المجتمعات تحت التّهديد يقوّض أيّ نظامٍ إقليميٍّ يراد له الاستقلال. وتكتمل قيمة الصّمود حين يفتح مجالًا لاتّفاق أكثر عدلًا وأقلّ تعرّضًا للابتزاز العسكريّ.
6- القوى الإقليميّة وهوامش الاستقلال
الخليج بين الخوف من إيران والخوف من الحرب عليها
تحتاج دول الخليج إلى استقرارٍ يسمح باستمرار تصدير الطّاقة وجذب الاستثمار وعمل شبكات النّقل والخدمات. ولذلك يمكن أن ترى في قدرات إيران تهديدًا، وفي محاولة تدميرها عسكريًّا تهديدًا آخر. ويعكس هذا الموقف حسابات مجتمع واقتصاد يتأثّران مباشرة بقرارات يتّخذها حلفاء وخصوم خارج حدودهما.
يوثّق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس في حزيران 2026 تباين الاستجابات الخليجيّة. اتّجهت الإمارات إلى موقفٍ أكثر تشدّدًا تجاه إيران، وجمعت السّعوديّة بين تأكيد الدّفاع عن النّفس وتشجيع خفض التّصعيد، وواصلت قطر وعمان المساعي الدّبلوماسيّة. كما سجّل التّقرير أضرارًا معتبرة في منشآتٍ تستضيف قوات أميركيّة، مع بقاء المعلومات المتاحة علنًا جزئيّة. [مرجع ١٨] تكشف هذه الاستجابات اختلاف تقدير الخطر داخل الخليج نفسه، وتربط مستقبل العلاقة الأميركيّة بكلّ دولة بمدى ما تتوقّعه من حمايةٍ وبحجم ما تتحمّله من تبعات القرار العسكريّ.
ينتج عن ذلك مسارٌ خليجيٌّ متعدّدٌ الاتّجاهات. فمزيدٌ من التّعاون الدّفاعيّ مع واشنطن قد يحسّن القدرة على اعتراض الهجمات، بينما يفتح التّفاهم مع طهران طريقًا لتقليل احتمال الهجوم أصلًا. وقد تسعى الدّولة إلى الجمع بينهما لتقوية موقعها في التّفاوض مع الطّرفين. وتكمن الصّعوبة في أنّ توسيع المنشآت العسكريّة الأميركيّة قد يزيد التّعرّض للهجوم في الوقت الّذي يراد فيه تعزيز الحماية، فتغدو السّيادة على استخدام القواعد والأجواء وعلى قرار المشاركة في العمليّات جزءًا أساسيًّا من أمن الدّول المضيفة.
تملك دول الخليج موارد ماليّةً وتقنيّةً تتيح لها المساومة على شكل العلاقة مع الولايات المتّحدة. وتزداد فاعليّة هذه الموارد حين تربط الاستثمارات وصفقات السّلاح بضماناتٍ واستجابةٍ لأولويّاتٍ أمنيّةٍ محدّدةٍ، وحين تتوافر قدرةٌ على تأجيل التّعاقد أو تنويع البدائل. أمّا تقديم الامتيازات الاقتصاديّة دون تأثير في قرارات الحرب فيبقي المشتري داخل علاقةٍ غير متكافئةٍ. وتدفع تجربة الصّراع نحو ربط النّفوذ الماليّ مجددًا باستقلال القرار الأمنيّ، ولو عبر تفاوضٍ تدريجيٍّ يحافظ على العلاقات القائمة.
اتّفاق مكّة وفرصة الموازنة الإقليميّة
شكّل اتّفاق الدّفاع المشترك بين السّعوديّة وتركيا وباكستان، الموقّع في مكّة في 7 آب 2026، إحدى محاولات توسيع خيارات الأمن الإقليميّ. وينص، وفق البيان الّذي نقلته وكالة الأناضول، على اعتبار الاعتداء المسلّح على أيّ طرف اعتداءً على الجميع، مع تطوير التّعاون الدّفاعيّ والصّناعيّ. وقد قدّمه المسؤولون الأتراك بوصفه مكمّلًا للتّحالفات القائمة. يفتح هذا الإطار مجالًا لتوزيع أوسع للالتزامات ولتقوية المساومة مع القوى الخارجيّة، مع بقاء تنفيذه مرهونًا بالمؤسّسات الّتي ينشئها أعضاؤه والتّوافقات الّتي يتوصّلون إليها. [مرجع ١٩]وفي 2 تشرين الأوّل، أشارت تصريحات باكستان إلى أنّ استكمال المؤسّسات اللّازمة لتنفيذ الاتّفاق يحتاج وقتًا، وإلى وجود مشاورات بشأن التّواصل السّياسيّ مع أنصار اللّه. [مرجع 20] يضع ذلك اليمن ضمن جدول تفاوض إقليميّ تتجاور فيه أدوات الدّفاع والتّسوية. وتكشف الحاجة إلى التّشاور أنّ أطراف الاتّفاق تحتفظ بتقديرات مختلفة للأولويّات والمخاطر، وأنّ تحوّله إلى قوّةٍ مشتركةٍ يتطلّب عملًا على آليّات القرار والإمداد والقيادة وعلى تحديد ما يقبل كلّ عضو الالتزام به.
قيمة الاتّفاق المحتملة هي توسيع مجال التّفاوض والرّدع خارج العلاقة الثّنائيّة بالحامي الأميركيّ. غير أنّ اختبار قيمته الفعليّة يكون في إرساء القيادة المشتركة، وتبادل المعلومات، ووضع قواعد الاشتباك، وتمويل متطلبات الاستعداد العسكريّ، وتحديد الالتزامات الّتي يقبل كلّ عضو تنفيذها. كما يواجه المشاركون مشكلة اختلاف الجغرافيا والأولويّات. ما يعدّ خطرًا حيويًّا في البحر الأحمر لا يحتلّ بالضّرورة الموقع نفسه في حسابات أنقرة وإسلام آباد.
تملك تركيا فرصة لتحويل صناعتها الدّفاعيّة وعلاقاتها وموقعها في الجوار السّوريّ إلى دورٍ أكبر. وتحتاج استدامة هذا الدّور إلى موازنة الطّموح مع الموارد، وإلى تفاهمٍ مع القوى العربيّة وإيران على حدود المنافسة. ويستفيد أمن الإقليم من قدرة أنقرة على تقليل الاعتماد على راعٍ واحدٍ وتطوير وسائل دفاعٍ محليّةٍ، بينما يؤدّي تحويل سوريّة إلى ساحة صراعٍ دائمٍ إلى استنزاف هذه الإمكانيّة. لذلك يرتبط الوزن التّركيّ الصّاعد بنوعيّة التّرتيب الّذي يسهم في بنائه وبقبوله سيادة جيرانه واستقلال قراراتهم.
اليمن والقدرة على التّأثير في الممرّات
منحت الجغرافيا اليمنيّة أنصار اللّه قدرةً على إدخال ملف غزّة والحرب الإقليميّة في حسابات الملاحة والانتشار الأميركيّ. وفي 6 أيار 2025 أعلنت عمان اتّفاقًا بين واشنطن والسّلطات المعنية في صنعاء على عدم استهداف أحدهما الآخر، بما في ذلك السّفن الأميركيّة في البحر الأحمر وباب المندب. [مرجع ٢١] عكس الاتّفاق انتقالًا إلى تفاهمٍ مباشرٍ على تقليل التّعرّض، مع بقاء ملفات اليمن والصّراع مع الاحتلال خارج نطاقه. وأظهر أنّ الفاعل الّذي تعرّض للحملة العسكريّة احتفظ بموقعٍ يفرض التّفاوض على أمن المصالح الأميركيّة.
تبرز هنا فاعليّة المقاومة حين تجعل القوّة الكبرى تعيد تحديد هدفها من إزالة التّهديد إلى تنظيم التّعامل معه. فقد تمكّن أنصار اللّه من وصل دورهم المحليّ بمسألةٍ دوليّةٍ حسّاسةٍ، ومن اكتساب وزن يتجاوز حجم الموارد اليمنيّة. وتنبع استدامة هذا الوزن من الجمع بين القدرات التّقنيّة والتّنظيم والموقع الجغرافيّ وحساباتٍ وطنيّةٍ تخصّ الحركة وبيئتها. لذلك يمكن أن تتقاطع أهداف صنعاء وطهران من دون أن تختزل الأولى في تنفيذ قرارٍ صادرٍ من الثّانية، أو أن تحلّ مطالبها تلقائيًّا ضمن تسويةٍ إيرانيّةٍ أميركيّةٍ.
عاد ترابط الجبهات إلى الواجهة في أيلول وتشرين الأوّل 2026. فقد نقل تقرير لرويترز في 2 تشرين الأوّل عن مسؤولين إقليميّين وغربيّين استعدادات سعوديّة لهجومٍ في اليمن عقب مكاسب ساحليةٍ لأنصار اللّه، مع تداول بدائل تتعلّق بباب المندب وبجبهاتٍ متعدّدةٍ. [مرجع 22] وقد وضع احتمال التّصعيد الشّركاء الإقليميّين أمام ضرورة تقدير كلفة استعادة المواقع والملاحة، وأمام أثر حربٍ جديدةٍ في الأمن والتّجارة.
تتجاور هذه الاستعدادات مع المشاورات الباكستانيّة بشأن التّواصل السّياسيّ مع أنصار اللّه. [مرجع ٢٠] وتمنح هذه المزاوجة صنعاء مجالًا لتوظيف ما راكمته من وزن في مسارٍ يعالج قضايا الأمن والسّيادة والوصول إلى الأسواق. ويقوى موقعها حين تستطيع وصل الضّغط العسكريّ بتصوّرٍ لتسويةٍ تحمي المجتمع اليمنيّ وتخفّف تعرّضه للحصار والحرب. كما أنّ سلامة المدنيّين والملاحة التّجاريّة تؤثر في استمرار القبول الإقليميّ لأيّ تفاهمٍ، وفي قدرة الحركة على تحويل حضورها حول الممرّات إلى مكسب سياسيّ يتجاوز دورة التّصعيد.
مصر والعراق وسوريّة ولبنان
تبقى لمصر أوراقٌ تتّصل بالجغرافيا وفلسطين والبحر الأحمر والثّقل البشريّ والمؤسّسيّ. لكنّ قدرتها على التّأثير سياسيًّا تتأثر بقدرتها الاقتصاديّة على احتمال التّصعيد. ويورد تقرير صندوق النّقد الدّوليّ الصّادر في آب 2026 أنّ حركة قناة السّويس في السّنة الماليّة 2025/2026 ظلت دون مستواها السّابق للأزمة، بمتوسطٍ يقارب 39 سفينة يوميًّا مقابل 73 في 2023، مع تعافٍ جزئيّ للإيرادات. هذا مثال على أنّ الدّولة قد تصبح أشدّ أهمّيّةً لتسوية الأزمة بينما تضيق مواردها بسبب استمرارها. [مرجع ٢٣]يعني ذلك أنّ استعادة دورٍ مصريٍّ مؤثّرٍ تحتاج إلى الجمع بين الوساطة والقدرة على وضع حدود لما تقبله القاهرة بشأن فلسطين وأمنها، وبين توسيع الموارد الّتي تخفّف هشاشتها الماليّة. أمّا تخيّل عودةٍ تلقائيّةٍ للقيادة الإقليميّة اعتمادًا على الموقع وحده فيغفل أنّ الموقع قد يكون مصدر التزام وكلفة أيضًا. ويمكن أن يتقاطع تقليل التّعرّض للحرب مع تعاونٍ عربيٍّ تركيٍّ أو حوارٍ مع إيران، من دون أن يستلزم ذلك تطابقًا أيديولوجيًّا.
وفي العراق، اكتمل خروج القوات الأميركيّة في 30 أيلول 2026، تنفيذًا لترتيب أقرّ في 2024، مع إعلان استمرار دعمٍ محدّدٍ في التّدريب والمعلومات. [مرجع ٢٤] يمثّل تقليص الوجود المباشر تحوّلًا مهمًّا في شروط ممارسة النّفوذ، ويفتح أمام بغداد مساحة أوسع لتنظيم علاقتها الأمنيّة بواشنطن. وتتحدّد قيمة هذا التّحوّل بقدرة العراقيّين على ترسيخ سلطة القرار الوطنيّ على استخدام الأرض والأجواء وعلى تطوير المؤسّسات الّتي تتولّى المهامّ المنقولة إليها.
تتلاقى مقاومة الوجود العسكريّ الخارجيّ مع بناء السّيادة حين تفضي إلى قدرةٍ وطنيّةٍ على حماية السّكان ومنع استخدام البلاد في حروبٍ لا يقرّرها مجتمعها ومؤسّساتها. ويحتاج هذا المسار في العراق إلى إدارة العلاقة بين الدّولة والقوى السّياسيّة والمسلّحة ضمن تفاهمٍ يحفظ الأمن والقرار. وفي سوريّة أيضًا تتّصل الاستعادة الوطنيّة بوحدة الأرض والمؤسّسات وبإنهاء التّعرّض للاعتداء والتّنافس الخارجيّ. وتزيد قدرة المجتمع على تمثيل مصالحه من فرص منع تحويل تبدّل الحلفاء إلى إعادة توزيع للسّيطرة عليه.
أمّا لبنان فيبقى أمنه مرتبطًا بالقدرة على ردع الاعتداء وبالثّقة في من يتولّى الحماية. وقد أبرز مايكل يونغ في آب 2025 تشابك مسألة حصريّة السّلاح مع مخاطر الصّدام الدّاخليّ والصّلة الإيرانيّة واستمرار الضّغط العسكريّ على البلاد. [مرجع ٢٥] ومن زاوية المقاومة، يفرض أيّ انتقالٍ أمنيٍّ جوابًا عمليًّا عن حماية الجنوب وعودة السّكان والإعمار والقدرة على منع التّوغّل. وتكتسب الدّولة شرعيّة احتكار القوّة بقدر ما توفّر هذه الوظائف، ضمن تفاهمٍ وطنيٍّ يستوعب خبرة المقاومة وقاعدتها الاجتماعيّة ويمنع استثمار الضّغوط الخارجيّة في تفكيك المجتمع.
الأردن وفلسطين بوصفها مسألة أمن إقليميّ
تظهر الحالة الأردنيّة الصّلة المباشرة بين بقاء الفلسطينيّين وأمن الجوار. فقد ربطت الخارجيّة الأردنيّة في بيان 3 حزيران 2026 رفض توسيع الاستيطان بتقويض حل الدّولتين وحقّ تقرير المصير. [مرجع ٢٦] وتناولت قراءةٌ لمعهد السّياسة والمجتمع في أيلول مخاطر التّهجير والضّغط المتدرّج في الضّفة الغربيّة، بما فيها احتمال نقل أعباء السّكان والإدارة إلى الأردن مع بقاء أدوات السّيطرة الأساسيّة بيد الاحتلال. [مرجع ٢٧] ويفترض أن تضع هذه المخاوف عمّان أمام مصلحةٍ دائمةٍ في منع تصفية الوجود الفلسطينيّ وفي صون السّيادة الفلسطينيّة.
يفتح هذا التّرابط مجالًا لتقاطع مصالح أطراف تختلف في تحالفاتها وفي موقفها من مكوّنات المقاومة. فدعم بقاء الفلسطينيّين في أرضهم يحمي الأردن من امتداد مشروع التّوسّع والتّهجير، ويمنح التّنسيق العربيّ معنى أمنيًّا مباشرًا. ويمكن توظيف العلاقات الدّبلوماسيّة والاقتصاديّة والموارد المؤسّسيّة في هذا الاتّجاه حين تقترن باستعدادٍ لفرض كلفة على السّياسات الّتي تهدّد الاستقرار. وتتحدّد استقلاليّة القرار بمدى قدرة الدّولة على حماية هذه المصالح حتّى عندما تتعارض مع خيارات واشنطن أو حليفها الإسرائيليّ.
وتشير هذه الحالة إلى اختبار إضافيّ للهيمنة الأميركيّة. إذا استطاعت واشنطن حماية شريكٍ من صاروخٍ ولم تستطع أو لم ترغب في منع سياساتٍ تهدّد استقراره على المدى الطّويل، فإنّ وظيفة الحماية تبقى ناقصةً سياسيًّا مهما كان مستوى التّكامل العسكريّ. وهنا تتّصل الشّرعيّة الفلسطينيّة بالثّقة في التّحالفات، ويصبح منع التّهجير والتّوسّع القسريّ جزءًا من تقييم النّظام الإقليميّ، لا بندًا إنسانيًّا منفصلًا عنه.
7- ما الّذي تراجع في الهيمنة الأميركيّة وما الّذي بقي
البنية العسكريّة والتّسليحيّة
توضح بيانات معهد ستوكهولم الدّوليّ لأبحاث السّلام عمق البنية التّسليحيّة الأميركيّة في الإقليم. فقد قدّمت الولايات المتّحدة 54% من واردات الشّرق الأوسط من الأسلحة الرّئيسيّة خلال 2021–2025، مقابل 12% لإيطاليا و11% لفرنسا و7.3% لألمانيا. وبلغت حصّتها من الصّادرات العالميّة 42%. تقيس هذه النّسب حجم تدفّقات الأسلحة وفق منهج المعهد خلال فترة تضمّ سنوات سابقة للحرب، وتكشف أساسًا مادّيًّا يمنح واشنطن نفوذًا ممتدًّا في التّدريب والصّيانة والذّخائر والتّحديث. [مرجع ١١]يصعب تفكيك علاقات الاعتماد الّتي تبنيها منظومات التّسليح على مدى عقود. فكلّ نظام تسليحٍ يحتاج إلى برمجياتٍ وإمدادٍ وتدريبٍ وإلى التّكامل مع الأنظمة الأخرى، ويفرض تنويع المورّدين تكاليف تتعلّق بالتّشغيل والمؤسّسات. وفي المقابل، تتيح تجربة الحرب للأطراف المشترية أن تعيد تقدير ما تحصل عليه مقابل الاعتماد. وتصبح القدرة المحليّة على الإصلاح والتّصنيع والتّخزين والتّشغيل المستقلّ عناصر متزايدةً الأهمّيّة، لأنّ أمن الدّولة يتأثّر بقرار المورّد وبإمكان وصول الإمداد خلال الأزمة بقدر ما يتأثّر بمواصفات السّلاح نفسه.
ويشير تقرير الكونغرس إلى استخدام إجراءات الطّوارئ في آذار وأيار 2026 لتسريع مبيعات أميركيّة تتجاوز ثلاثين مليار دولار من الذّخائر ومعدّات الدّفاع الجوّيّ والصّاروخيّ لشركاء في المنطقة. [مرجع 18] يعكس هذا الطّلب استمرار الارتباط العسكريّ، كما يكشف حجم الاحتياجات الّتي تولدها المواجهة. وتبقى المسافة بين التّعاقد والتّسليم والجاهزيّة عاملًا حاسمًا في مردود هذه الصّفقات، بينما تمنح الأزمة واشنطن عائدًا تجاريًّا يقابله عبء سياسيّ كلّما تأخّر إحساس الشّركاء بالأمن الّذي يدفعون ثمنه.
الحماية وإدارة سلوك الحلفاء
الأشدّ تضرّرًا هو الوعد بأنّ الارتباط بواشنطن يوفّر بيئة استراتيجيّة يمكن توقّع تطوراتها بدرجة أكبر. فقيمة الحماية تشمل اعتراض الهجمات، وتشمل أيضًا تجنّب اتخاذ قراراتٍ تجعل الهجوم أكثر احتمالًا. وإذا اعتقد حليفٌ أنّ استضافته للقوّة الأميركيّة تجلب أخطارًا لا يملك التّأثير في أسبابها، فإن المشكلة تتجاوز عدد البطاريات والاعتراضات إلى توزيع صلاحيات اتخاذ القرار داخل التّحالف.
تقع مسؤوليّة الدّعم الأميركيّ للاحتلال داخل بنية القرار في واشنطن نفسها، بما تضمّ من مصالح وتحالفاتٍ وخياراتٍ سياسيّةٍ. وقد تتباين أولويّات الطّرفين، بينما يستمرّ الإمداد والغطاء الدّبلوماسيّ. ويتيح ذلك للحليف الإسرائيليّ توسيع أهدافه وتحميل الرّاعي جزءًا من نتائجها الإقليميّة. من هنا يحتاج تقييم العلاقة إلى تتبّع كيفيّة توزيع المكاسب والأعباء، وإلى وزن القرارات الأميركيّة الفعليّة بشأن التّمويل والسّلاح والضّمانات، وهي الأدوات الّتي تحدّد مقدار ما يستطيع الحليف مواصلته.
يحقّق كيان الاحتلال مكاسب عسكريّةً مباشرةً، وتتحمّل الولايات المتّحدة جانبًا كبيرًا من كلفة حماية شبكة المصالح الأوسع الّتي تتعرّض للرّدّ. ويجعل استمرار الدّعم هذا التّوزيع جزءًا من الاستراتيجيّة الأميركيّة، حتّى حين يتعارض مع تهدئة الإقليم أو حماية الشّركاء العرب. وقد استثمرت إيران وقوى المقاومة هذا الاتّساع في الالتزامات لتوسيع المجال الّذي تدفع فيه واشنطن كلفة الحرب. وتزداد صعوبة الإدارة الأميركيّة كلّما احتاجت إلى حماية حليفها من نتائج سياسات تواصل تمكينه من تنفيذها.
المال والتّكنولوجيا وأدوات النّفوذ طويلة الأمد
تمتلك الولايات المتّحدة قاعدةً ماليّةً وتقنيّةً تمنحها نفوذًا يتجاوز الانتشار العسكريّ. ففي بيانات 2024 الّتي عرضها الاحتياطي الفيدرالي في تموز 2025، بلغت حصّة الدّولار 58% من الاحتياطيات الرّسميّة المعلنة من النّقد الأجنبيّ، مقابل 20% لليورو و2% للعملة الصّينيّة. [مرجع ٢٨] يشكّل هذا التّوزيع أساسًا بنيويًّا لفهم القدرة على التّمويل والعقوبات، ويبيّن لماذا تستطيع واشنطن ممارسة ضغط كبير حتّى عندما تتعثّر حملاتها. وتمنحها الأسواق والتّكنولوجيا المتقدّمة وسائل إضافيّةً لربط الشّركاء بشروط الوصول إليها.
تواجه مقاومة الإكراه الماليّ مهمّة بناء بدائل تدريجيّةٍ في التّسويات والتّمويل والتّجارة. وقد تبدأ هذه البدائل بتأمين معاملاتٍ ذات أولويّةٍ وحماية سلاسل إمدادٍ محدّدةٍ، مع بقاء الدّولار في موقعه العالميّ. وتكمن قيمتها للطّرف المستهدف في تقليص احتمال تعطيل نشاطه، ولو ضمن نطاقٍ محدودٍ. وكلّما اتّسع استخدام العقوبات خارج الحدود، ازدادت دوافع تحمّل كلفة هذه البدائل. وتتحرّك العمليّة ببطء بسبب اتّساع السّوق الأميركيّة وتشابك شبكاتها، لكنّها تجعل الثّقة في إتاحة التّعاملات الماليّة دون تمييز جزءًا من حسابات الأمن الوطنيّ للشّركاء والخصوم معًا.
تحضر العقوبات والحصار في المساومة الإيرانيّة الأميركيّة بوصفهما أداتين لتقييد الموارد ورفع كلفة الاستمرار. ففي تقرير رويترز مطلع تشرين الأوّل 2026، ارتبط النّقاش التّفاوضيّ بمطالب رفع الحصار وتخفيف العقوبات النّفطيّة والإفراج عن أموالٍ مجمّدةٍ، مع خلافٍ على ترتيب التّنازلات والملف النّوويّ. [مرجع 5] يبيّن استمرار هذا التّفاوض أنّ الضّغط الاقتصاديّ صار جزءًا من محاولة تحقيق نتيجةٍ سياسيّةٍ عجزت القوّة العسكريّة عن حسمها، فيما تسعى إيران إلى الحفاظ على وسائل ردٍّ تمنع تحويل حاجتها الاقتصاديّة إلى قبول بشروط يفرضها طرف واحد.
وتحتاج فعاليّة الإكراه إلى اقتناع الطّرف المستهدف بأنّ التّنازل سيقابله تخفيف للضّغوط يمكن التّعويل على استمراره. حين تضعف هذه الثّقة، ترتفع قيمة الاحتفاظ بأدوات الرّدّ وتنويع العلاقات وتأمين منافذ تجاريّةٍ بديلةٍ. وتمنح الجغرافيا الإيرانيّة واتّصالها بعدة أقاليم مجالًا لهذا التّنويع، مع ما يرافقه من كلفة نقلٍ وتمويلٍ وقيودٍ سياسيّةٍ. تبقى معيشة السّكان والقدرة على الإنتاج عاملين أساسيّين لقدرة إيران على الصّمود طويلًا، ولهذا تتكامل المقاومة مع الدّبلوماسيّة حين تستخدم القوّة لصون شروط تفاوض تحفظ السّيادة وتتيح التّعافي الاقتصاديّ.
الشّرعيّة والمقبوليّة
تعرض استطلاعات الباروميتر العربيّ صورةً لتراجع قبول السّياسة الأميركيّة لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمعات الّتي شملتها. وفي تحليل أماني جمال ومايكل روبنز لاستطلاعات أجريت بين آب وتشرين الثّاني 2025 في ثمانية بلدانٍ ومجتمعاتٍ عربيّةٍ، اختار 6% من المستجيبين في مصر السّياسة الأميركيّة بوصفها الأفضل لأمن الإقليم، مقابل 36% اختاروا السّياسة الصّينيّة. وتتفاوت الاتّجاهات بين المجتمعات المشمولة، بما يعكس اختلاف تجاربها ومصالحها وتقييمها للقوى الدّوليّة والإقليميّة. [مرجع ٢٩]ينقل هذا التّراجع جزءًا من كلفة الحرب إلى شرعيّة الشّراكات الأميركيّة. فالحكومة الّتي تحافظ على تعاون أمنيّ مع واشنطن تواجه حاجة متزايدة إلى تبرير العلاقة وإظهار مردودها، خصوصًا حين ترتبط صورتها العامّة بدعم العدوان على الفلسطينيّين. وقد يستمرّ التّعاون رغم الاعتراض الشّعبيّ، لكنّه يحتاج إلى موارد سياسيّةٍ وأمنيّةٍ لإدامته. وتتيح مركزيّة فلسطين لقوى المقاومة أن تربط بين الخبرة المحليّة في مواجهة الاحتلال وبين نقدٍ أوسع للنّظام الّذي يوفّر له الحماية، وأن تمنع تحويل التّطبيع الرّسميّ إلى قبول اجتماعيّ مستقرّ.
8- الصّين وروسيا وحدود البديل الخارجيّ
تمنح العلاقات مع الصّين وروسيا إيران وقوى الإقليم مجالًا لتنويع الشّركاء وتقليل بعض آثار العزلة، داخل نظامٍ عالميٍّ ما زالت موارده موزعة على نحو غير متكافئ. وتتميّز الصّين باتّساع التّجارة والقدرة على الوساطة، وبحرصها على علاقات مع إيران ودول الخليج في آنٍ واحدٍ. يوفّر هذا التّنوّع منافع اقتصاديّةً ودبلوماسيّةً، لكنّه يجعل استعداد بكين لتحمّل كلفة المواجهة محكومًا بحساباتها الأوسع. ومن مصلحة قوى المقاومة أن تستفيد من هذا المجال مع الحفاظ على استقلال تقديرها ومصادر قدرتها الذّاتيّة.
أظهر اتّفاق بكين في 2023 جدوى الرّعاية الصّينيّة عندما تلتقي مع إرادةٍ إقليميّةٍ للتّهدئة. فقد ساعدت على استعادة العلاقات السّعوديّة الإيرانيّة ضمن تفاهمٍ يحترم السّيادة، مع بقاء الأمن العسكريّ خاضعًا لقدرات الأطراف وترتيباتها الخاصّة. [مرجع ٢] ويمكن لتوسيع هذا الدّور أن يحد من احتكار واشنطن للوساطة وأن يتيح تسوياتٍ أقلّ ارتباطًا بشروطها. وتستفيد إيران من هذه المرونة حين تجمع بين التّعاون الخارجيّ والرّدع الذّاتيّ، وتحتفظ بعدة مساراتٍ للتّعامل مع العقوبات والحاجة إلى الاستثمار والتّكنولوجيا.
وتحدّد معاهدة الشّراكة الرّوسيّة الإيرانيّة في كانون الثّاني 2025 التزاماتٍ مختلفةً عن الدّفاع الجماعيّ. إذ تنص مادتها الثّالثة على الامتناع عن مساعدة المعتدي إذا تعرّض الطّرف الآخر لعدوان، وعلى العمل لتسوية الخلاف. [مرجع ٣٠] يتيح هذا الإطار تعاونًا سياسيًّا واستراتيجيًّا من دون ضمان التّدخّل العسكريّ تلقائيًّا. وتبقى قيمة العلاقة مرتبطة بما توفّره عمليًّا من تبادل وقدرة على تقليل الضّغوط، وبكيفيّة إدارة موسكو مصالحها المتعدّدة، بما فيها القيود الّتي فرضها تراجع موقعها السّوريّ بعد سقوط الأسد.
تتوزّع وظائف النّظام، تبعًا لذلك، بين شركاء متنافسين، مع استمرار ثقل أميركيّ في الدّفاع والمال واتّساع أدوار أخرى في التّجارة والوساطة والتّكنولوجيا. وتستطيع دول الإقليم توظيف هذا التّعدّد لتوسيع مجال القرار، بينما تمنح قدرة المقاومة على منع الإخضاع أساسًا محليًّا لمنازعة الهيمنة. فاستقلال المنطقة يحتاج فاعلين قادرين على حماية خياراتهم داخل علاقاتٍ متعدّدةٍ، وإلى مؤسّساتٍ تجعل الشّراكة الخارجيّة موردًا للبناء بدل أن تتحوّل إلى قناةٍ جديدةٍ لإملاء القرارات.
9- الواقعيّة السّياسيّة وحصيلة الحرب على إيران
نقد الإفراط في الالتزام
يمنح النّقد الواقعيّ الأميركيّ مسألة الأهداف والكلفة موقعًا مركزيًّا في تقييم الحرب. وفي دفاعهما عن سياسة الموازنة من خارج الإقليم، دعا جون ميرشايمر وستيفن والت إلى الاعتماد على القوى المحليّة لمنع نشوء قوّةٍ مهيمنةٍ على الإقليم، مع احتفاظ الولايات المتّحدة بإمكان التّدخّل حين يفشل التّوازن. ويهدف هذا التّصوّر إلى صيانة القوّة الأميركيّة وتقليل استنزافها عبر تضييق الالتزامات وربط التّدخّل بمصالح محدّدةٍ. وقد اكتسب النّقاش أهمّيّة إضافيّة حين حوّلت الحرب على إيران التّفوّق العسكريّ إلى التزاماتٍ يصعب ضبط مداها السّياسيّ والاقتصاديّ. [مرجع ٣١]تتيح هذه المقاربة قراءة الصّراع من داخل حسابات القوّة الّتي بدأته. فالحرب الهادفة إلى تحسين موقع الولايات المتّحدة قد تنتهي بزيادة تعرّض قواتها وحلفائها وتعقيد أمن الطّاقة، حتّى إذا ألحقت بالخصم تدميرًا أكبر. ويعني ذلك أنّ معيار النّجاح يمر عبر المقارنة بين الوضع الّذي سبق التّدخّل وما تستطيع واشنطن تثبيته بعده، مع احتساب كلفة الصّيانة والانتشار وفقدان الخيارات. وفي هذه المقارنة تكتسب قدرة إيران على إدامة الرّدّ ومنع الإملاء أثرها الاستراتيجيّ.
تستمدّ القراءة الواقعيّة قوّتها من مساءلة هذا المردود، وتختلف اتّجاهاتها في تقدير مقدار القوّة اللّازمة لحماية المصالح وفي توقيت الانسحاب أو التّسوية. وتبرز في كتابات ميرشايمر الحديثة صياغة أكثر حدّة للمأزق الإيرانيّ، تصل إلى الحكم بأنّ الولايات المتّحدة خسرت الحرب من منظور استراتيجيّ. ويستحقّ هذا الحكم المناقشة لأنّه يستند إلى منظورٍ حريصٍ على المصلحة الأميركيّة، ولأنّه يعيد تقييم النّجاح بمنأى عن الرّواية الّتي تساوي بين اتّساع التّدمير وتحقيق الغايات السّياسيّة.
ميرشايمر والفشل الاستراتيجيّ الأميركيّ
في نصٍّ نشره في 12 تموز 2026، انطلق ميرشايمر من عجز القصف والحصار عن حمل القيادة الإيرانيّة على قبول المطالب الأميركيّة بشأن هرمز. ورأى أنّ تبادل الضّربات يجدّد المأزق، وأنّ التّصعيد قد يوسّع أوراق الضّغط المتاحة لإيران، فخلص إلى أنّ الولايات المتّحدة خسرت الحرب. [مرجع ٣٢] تقوم قوّة حجّته على العلاقة بين الإكراه والاستجابة، إذ يبقى الطّرف المستهدف قادرًا على رفض الشّروط وتحميل خصمه كلفةً إضافيّةً.
وشدّد في نصّ نشره في أول أيلول، الّذي يلخّص نقاشه مع كريس هيدجز في 28 آب، على فشل تصوّرٍ للانتصار يعوّل على القوّة الجوّيّة لإحداث تغييرٍ سياسيٍّ. واعتبر أنّ أهداف تغيير النّظام وإنهاء قدرات إيران النّوويّة والصّاروخيّة وعلاقاتها بالمقاومة بقيت بعيدة عن التّحقّق، في مقابل ضررٍ أصاب التّحالفات والممرّات وصدقيّة الحماية الأميركيّة. وبنى على ذلك حكمه بأنّ الحرب تمثّل، في تقديره، أكبر خطأٍ استراتيجيٍّ في تاريخ الولايات المتّحدة. [مرجع ٣٣] يجمع هذا التّقدير بين إخفاق الغايات واتّساع النّتائج العكسية، ويضع تحسّن قدرة إيران على المساومة ضمن حساب الخسارة الأميركيّة حتّى مع حجم ما لحق بها من دمار.
وفي عرضه المنشور في 2 تشرين الأوّل لمقابلة أجراها مع غلين ديسن في 30 أيلول، تمسّك ميرشايمر بحكمه بعدم قدرة واشنطن على هزيمة إيران، وربطه باحتمال تدهور موقعها الاستراتيجيّ الأوسع. [مرجع ٣٤] وتظهر مواصلته هذا التّقدير عبر مراحل الحرب ثبات جوهر حجّته، وهو العجز عن فرض النّتيجة السّياسيّة. وتلتقي الدّراسة معه عند هذه النّقطة، وتقرأ استمرار إيران في التّفاوض من موقعٍ يحتفظ بالرّدّ والرّفض بوصفه إنجازًا دفاعيًّا له أثرٌ في توازن الإقليم، مع بقاء حجم هذا الإنجاز واستدامته مرتبطين بالاقتصاد وإعادة البناء وشروط التّسوية المقبلة.
توضح هذه القراءة أيضًا اختلاف شروط النّجاح بين المهاجم والمدافع. فالطّرف الّذي يبدأ الحرب لتغيير إرادة خصمه يحتاج إلى نتيجةٍ إيجابيّةٍ محدّدةٍ تبرر كلفتها، بينما يستطيع الطّرف المستهدف إحباط الغاية بإبقاء قراره مستقلًّا. ويصبح إعلان مواصلة الضّغط بحثًا عن تنازل لم يتحقّق تعبيرًا عن نقص الحصيلة لدى الطّرف الّذي بدأ الحرب، مهما كانت خسائر الطّرف الآخر. ومن ثمّ يجتمع الإخفاق الأميركيّ مع مكسبٍ إيرانيٍّ في منع الإخضاع، وتبقى أمام إيران ومحور المقاومة مهمّة أوسع في استعادة الموارد وحماية المجتمعات وتثبيت المكسب سياسيًّا.
السّيادة والتّحرّر في قراءة عربيّة للواقعيّة
تنطلق هذه الدّراسة من مصلحة شعوب الإقليم في السّيادة والتّحرّر من الاحتلال والإكراه الخارجيّ. وقد يتقاطع هذا المنظور مع النّقد الواقعيّ الأميركيّ في تشخيص الفشل، بينما يفترق عنه في الغاية. فالموازنة الّتي تصون الصّدارة الأميركيّة بأعباء أقلّ قد تبقي المنطقة مجزّأة وتحت رقابةٍ خارجيّةٍ، في حين يقتضي الاستقلال توسيع قدرة مجتمعاتها على تقرير خياراتها. وتظهر المقاومة هنا بوصفها قوّة مؤثّرة تسهم في تعديل قواعد النّظام، إلى جانب الدّول والتّحالفات التّقليديّة.
تحتلّ فلسطين موقعًا خاصًّا في هذه المقارنة، لأنّ شعبها يواجه سلطة احتلالٍ من دون موارد الدّولة السّياديّة الّتي تفترضها النّماذج التّقليديّة. وتستمدّ مقاومته بعض قوّتها من التّنظيم والشّرعيّة والبقاء في الأرض ومن قدرتها على وصل القضيّة بأزمات الإقليم. وينطبق الاهتمام بالقاعدة الاجتماعيّة على لبنان واليمن والعراق أيضًا، حيث تتفاعل القوى المسلّحة مع مجتمعاتٍ ذات حقوقٍ ومطالب وخلافاتٍ. ويقوى مشروع المقاومة حين يجعل أمن هذه المجتمعات وتمثيلها جزءًا من تعريف نجاحه.
تنبع القوّة من الاقتصاد والمجتمع بقدر ما تنبع من المصانع والمقرّات العسكريّة. فالقدرة على تحمّل الحرب تتّصل بتوزيع أعبائها وبالعدالة في إدارة الموارد وبثقة النّاس في قيادتهم. كما تتّصل مرحلة ما بعدها بالسّيطرة على الإعمار وشروط التّمويل والعمل والخدمات. ويعطي هذا الامتداد الاجتماعيّ لفعل المقاومة عمقه الاستراتيجيّ، لأنّ المحافظة على القرار تحتاج مجتمعًا قادرًا على مواصلة الحياة وعلى مساءلة من يدير موارده وتضحياته.
ركائز التّفوّق الأميركيّ وكلفة المحافظة عليها
تظلّ الحجّة الأقوى لمصلحة واشنطن قائمة في تضرّر إيران وشركائها، واستمرار الطّلب الإقليميّ على السّلاح الأميركيّ، وبقاء مركزيّتها في أطر التّسوية الدّوليّة. ويمكن للولايات المتّحدة أن تستند إلى هذه الموارد لتجديد نفوذها أو لخفض طموحاتها مع المحافظة على دورٍ رئيسيٍّ. غير أنّ نجاحها في منع خصمٍ من الهيمنة على الإقليم يمثّل هدفًا أضيق من مشروع إخضاع إيران وصوغ نظامٍ مستقرٍّ حول التّفوّق الإسرائيليّ. وتصبح إعادة تعريف الأهداف جزءًا من حصيلة الحرب ومن تقدير كلفة الخيارات الّتي قادت إليها.
قدّمت استراتيجيّة الأمن القوميّ الأميركيّة الصّادرة في أواخر 2025 تصوّرًا متفائلًا لدفع المنطقة نحو الشّراكات والاستثمار وإعادة توزيع الأعباء، انطلاقًا من تقدير يضع إيران في موقع أضعف. واحتفظت الوثيقة بأهداف أمن الطّاقة وبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة، واستمرار الملاحة في البحر الأحمر وأمن «إسرائيل» وتوسيع التّطبيع. [مرجع ٣٥] يتيح هذا التّصوّر مقارنة واضحة مع النّتائج اللّاحقة، لأنّ الحرب الّتي اتّسعت في 2026 ألقت أعباء على عددٍ من الوظائف الّتي وعدت الاستراتيجيّة بتأمينها بكلفة أقلّ.
أصبحت حماية الممرّات والحلفاء تتطلّب التزامًا عسكريًّا متجدّدًا، وبقيت التّسوية الإيرانيّة والغزّيّة عرضة للتّعثّر. وفي هذه الفجوة أسهمت المقاومة في تحويل التّفوّق الأميركيّ إلى عبءٍ سياسيٍّ وماليٍّ يحتاج إلى تبرير مستمرّ. وقد أضعفت الحرب قدرات خصوم واشنطن، لكنّها وسّعت في الوقت نفسه دائرة المصالح الّتي يتعيّن على واشنطن الدّفاع عنها. وهنا يتجاوز الفشل سوء تنفيذ عمليّة بعينها إلى تناقضٍ بين الوسيلة المختارة وشروط النّظام المراد بناؤه.
تحتفظ الولايات المتّحدة بقدرةٍ على التّكيّف عبر التّسوية وتحسين الدّفاع وضبط الالتزامات، وقد يساعدها استمرار اعتماد الشّركاء على إعادة تنظيم نفوذها. لكنّ هذا التّكيّف يمر عبر الاعتراف بقيود فرضتها مقاومة الخصوم، وعبر قبول نتائج أقلّ طموحًا ممّا بدأ به التّصعيد. ويظلّ اتّجاه التّآكل مرجّحًا ما دامت زيادة الموارد لا تخفض الحاجة إلى التّدخّل، وما دامت الحماية مرتبطة بحروب تنشئ بدورها أخطارًا جديدةً. وتتحدّد فرص التّعافي بقرارات سياسيّة أبعد أثرًا من تجديد المخزونات وحده.
10- حصيلة الميزان والمسارات الممكنة
التّراجع في الوظيفة أوسع من التّراجع في البنية
تظهر الحصيلة تراجعًا في قدرة الولايات المتّحدة على تحويل تفوّقها إلى امتثالٍ واستقرارٍ، مع بقاء بنيتها الماليّة والتّسليحيّة واسعة التّأثير. وقد أسهمت إيران وقوى المقاومة في هذا التّراجع عبر الاحتفاظ بأدوات منع وردّ، بينما تحمّلت خسائر جسيمةً في مجتمعاتها ومواردها وعمقها. وتختلف سرعة التّحوّل بين المجال العسكريّ والسّياسيّ والماليّ، فتتعايش زيادة بعض أشكال الاعتماد مع تراجع الثّقة في القيادة الأميركيّة. ويتحدّد اتّجاه المرحلة المقبلة بمدى تثبيت هذه التّحوّلات في اتّفاقاتٍ ومؤسّساتٍ وقدراتٍ يمكن الحفاظ عليها.
حصيلة تحليليّة لوظائف الهيمنة الأميركيّة
في المجال العسكريّ، يستمرّ التّفوّق الأميركيّ الإسرائيليّ الواسع في القدرة على الضّرب، مع تعثّر تحويله إلى إخضاعٍ سياسيٍّ.
وفي الحماية والممرّات، تحقّقت استعادةٌ جزئيّةٌ للتّدفّقات بكلفةٍ عسكريّةٍ مرتفعةٍ، فيما احتفظت المقاومة بقدرتها على إبقاء أمن الممرّات موضع منازعةٍ.
وفي التّحالفات، يستمرّ ارتباط الشّركاء بواشنطن مع تزايد تحوّطهم، ويتراجع احتكار الولايات المتّحدة لخياراتهم.
وفي المال والتّسليح، تبقى ركائز قويّةٌ للاعتماد على الولايات المتّحدة، وتحتاج مقاومة الإكراه إلى بناء بدائل تدريجيّةٍ.
وفي الشّرعيّة والقبول، تتراجع الثّقة بالقيادة الأميركيّة، وتتسع الكلفة السّياسيّة المترتّبة على دعمها والاصطفاف معها.
وفي صياغة التّسويات، تحتفظ الولايات المتّحدة بدورٍ مركزيٍّ، لكنّها تواجه صعوبةً في التّنفيذ، بينما يفرض الصّمود التّفاوض على الحقوق والمصالح.
تستند هذه الحصيلة إلى الأدلّة المفصّلة في الأقسام السّابقة، ولا تمثّل درجات رقميّة أو ترتيبًا شاملًا لقوّة الدّول.
قياسًا بذروة التّسعينيات، تراجعت قدرة واشنطن على تقديم إرادتها بوصفها المرجع شبه الوحيد لترتيب المنطقة. وقياسًا بعشيّة 7 تشرين الأوّل، اتّسعت خسائر خصومها المادّيّة بالتزامن مع اتّساع قدرتهم على جعل الهيمنة أكثر كلفة وأقلّ استقرارًا. تعكس هذه الحصيلة فاعليّة غير متكافئة، إذ يستطيع الطّرف الأضعف التّأثير في شروط النّظام عبر منع الطّرف الأقوى من تثبيت الغاية السّياسيّة لحربه. وتمنح القدرة على منع الإخضاع قوّةً تفاوضيّةً حقيقيّةً حين تستند إلى مؤسّساتٍ وموارد تحفظها.
داخل محور المقاومة، تتفاوت المكاسب والخسائر بين السّاحات. فقد تعرّضت شبكات ومواقع وقيادات لضرباتٍ قاسيةٍ، واستمر في المقابل حضورٌ سياسيٌّ وعسكريٌّ يحول دون اعتبار المنطقة متاحة لإعادة التّشكيل من جانبٍ واحدٍ. ويتحمّل المجتمع الفلسطينيّ وسائر المجتمعات المتضرّرة عبئًا يتجاوز حسابات مكاسب التّنظيمات والدّول وخسائرها، بما يضع الإعمار والحماية في مقدّمة أولويّات المرحلة. وتصبح قيمة الصّمود أكبر عندما يتيح تنظيم القدرة على الفعل ويمنع تحويل الكلفة الإنسانيّة إلى وسيلةٍ لانتزاع تنازلٍ دائمٍ عن الحقوق.
يتشكّل بذلك، حتى اللحظة، نظامٌ أقرب إلى تعدّديّةٍ إقليميّةٍ غير مستقرّةٍ، تظلّ فيه الولايات المتّحدة القوّة الخارجيّة الأرجح نفوذًا وتواجه قدرةً متناميةً على منازعة قراراتها. وتؤدّي المقاومة دورًا في نشوء هذا التّعدّد لأنّها حافظت على حقّ الرّفض ورفعت كلفة الإملاء، بينما تسعى قوى أخرى إلى توظيف المساحة المفتوحة لتنويع الشّراكات. وتبقى إعادة تشكيل الهيمنة الأميركيّة احتمالًا قائمًا، لكنّه يحتاج إلى قبول بقيودٍ وتفاهماتٍ جديدةٍ. أمّا اكتمال انتقال الإقليم إلى استقلال أوسع فيرتبط ببناء ترتيباتٍ تحمي هذه المساحة من التّفكّك ومن عودة الاحتواء.
مسار تجدّد النّفوذ الأميركيّ
قد تستعيد واشنطن جزءًا من فاعليّتها عبر تسويةٍ مع إيران واستقرار حركة الممرّات وربط دعم حلفائها بأهدافٍ يمكن الحفاظ على نتائجها. وسيعكس هذا المسار قدرة أميركيّة على التّكيّف مع الكلفة الّتي فرضتها المواجهة، وربما يتيح لها تقليل الانتشار مع المحافظة على نفوذ مهمّ. وتتمثّل علامته في انخفاض الحاجة إلى تدخّل متكرّر وفي قيام التزاماتٍ قابلةٍ للتّنفيذ. وستدخل شروط هذه التّسوية، ومقدار الاستقلال الّذي تحفظه للأطراف الإقليميّة، في تحديد من كسب سياسيًّا من نهاية الحرب.
هذا الاحتمال يستلزم أن تتقدّم الموازنة بين المصالح على الاندفاع وراء مكاسب عسكريّةٍ منفصلةٍ. ويحتاج في فلسطين إلى مسارٍ يعالج الحقوق والتّمثيل والاحتلال، لأنّ إعادة إعمارٍ مرهونةً باستقرارٍ غير قائمٍ لا تضمن قبولًا دائمًا. كما يتطلّب ضماناتٍ تطمئن دول الخليج إلى أنّ مصالحها ليست نتيجةً جانبيّةً لقرارات الحرب والسّلم.
مسار توازن إقليميّ يقوم على التّفاوض
يفتح اتّساع الكلفة مجالًا لتوازنٍ تشارك في صياغته القوى العربيّة وتركيا وإيران، مع أدوارٍ مساعدةٍ لقوى خارجيّة. وتستطيع المقاومة أن تسهم فيه بما فرضته من قيود على حرّيّة الاعتداء، وبقدرتها على دعم تسويةٍ تحفظ الحقوق والسّيادة. ويحتاج هذا المسار إلى تفاهم بشأن أمن الممرّات وعدم استخدام أراضي الدّول للهجوم وإدارة الخلافات داخل أطرٍ متبادلةٍ. ويمكن للتّرتيبات الدّفاعيّة الجديدة أن تقوّيه حين تعمل على خفض التّصعيد وتوفير ضماناتٍ، وحين تتجنّب إعادة إنتاج محاور مغلقةٍ تزيد الحاجة إلى الرّاعي الخارجيّ.
يتقدّم هذا الاحتمال مع انتظام الاتّصال أثناء الأزمات، والتّحقّق المتبادل من تنفيذ الالتزامات، وتسوية الحوادث قبل أن تتحوّل إلى جولات قتالٍ. ويمنح إدراج المصالح الإيرانيّة والفلسطينيّة واليمنيّة واللّبنانيّة في التّفاوض فرصةً لتقليل الحاجة إلى الإكراه، لأنّ التّرتيب يستند عندئذ إلى اعترافٍ متبادلٍ بقدرة الآخرين وحقوقهم. ويستطيع الإقليم الاحتفاظ بعلاقاتٍ دفاعيّةٍ واقتصاديّةٍ دوليّةٍ واسعةٍ، مع نقل مركز القرار في شؤونه إلى مؤسّساته وتفاهماته الخاصّة.
مسار الاستنزاف والتّفكّك
يبقى ممكنًا أن تتعطّل التّسويات وتعود الضّربات والتّعطيل والحصار في دوراتٍ متتاليةٍ. وقد يقود ذلك إلى تشدّدٍ أمنيٍّ أكبر داخل الدّول، وسباق لتطوير القدرات الدّفاعيّة والتّسلّح، وتنافس على الممرّات والإعمار، وتآكل إضافيٍّ للمؤسّسات في السّاحات الأضعف. وفي هذا المسار لا ترث قوّةٌ واحدةٌ النّظام الأميركيّ، بل تتوزّع القدرة على الإيذاء ويتراجع الأمن العامّ.
تزيد دورات الاستنزاف أهمّيّة وجود غايةٍ سياسيّةٍ واضحةٍ للمقاومة. فاستمرار القدرة على الرّدّ يفتح باب التّفاوض ويحمي من الإخضاع، بينما يتطلّب الخروج من الحرب برنامجًا يحول هذا الرّصيد إلى أمن وتعافٍ. وقد تدفع المنافسة على إثبات الصّدقيّة الأطراف إلى تصعيدٍ يضاعف الأعباء على الجميع. وتصبح إدارة التّوقيت والمخاطر والتّسوية جزءًا من الكفاءة الاستراتيجيّة، خصوصًا عندما يملك الطّرف الأقوى موارد أكبر لإطالة الضّغط وتكون الهشاشة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لدى الطّرف الأضعف أشدّ.
المؤشرات الّتي تفصل بين المسارات
يتّضح اتّجاه النّظام من انتظام الملاحة والصّادرات وكلفة التّأمين على مدى أشهر، ومن الشّروط الّتي تضبط الوصول العسكريّ الأميركيّ إلى أراضي الحلفاء وأجوائهم. كما تظهره سرعة تسليم المعدّات الدّفاعيّة وإدامة مخزونها وقدرة الدّول على تشغيلها وحماية مرافقها. وتوفّر هذه المؤشرات صورة عن الكلفة الفعليّة للحماية وعن استقلال قرار استخدامها، فيما تكشف استمراريّة قدرات الرّدّ لدى إيران وقوى المقاومة مدى بقاء القيود الّتي فرضتها على الخصم.
وتكتسب ترتيبات مثل اتّفاق مكّة وزنًا بمقدار قدرتها على اتخاذ قرار وتنفيذه وإدارة خلاف بين أعضائها. وفي المسار الإيرانيّ، تقاس فرص الاستقرار بقيام التزامٍ متبادلٍ يربط التّحقّق النّوويّ بتخفيف للضّغوط يمكن التّعويل على استمراره وبضماناتٍ أمنيّةٍ. أمّا في فلسطين، فتتحدّد الحصيلة بالانسحاب وحرّيّة الحركة والإعمار والتّمثيل والسّيادة، وبقدرة الفلسطينيّين على الحفاظ على أرضهم وحقوقهم داخل أيّ ترتيبٍ جديدٍ. تربط هذه النّتائج بين المكاسب التّفاوضيّة والتّحوّل الفعليّ في حياة أصحاب المصلحة.
خاتمة
كشفت السّنوات الّتي تلت 7 تشرين الأوّل حدود المشروع الأميركيّ الإسرائيليّ لإعادة ترتيب الإقليم تحت ضغط التّفوّق العسكريّ. فقد تعرّضت إيران وقوى المقاومة لخسائر كبيرةٍ، ثمّ احتفظت بقدرةٍ على منع الإخضاع وإبقاء الحرب مكلفة ومفتوحة سياسيًّا. ويمنح هذا الصّمود تفسيرًا مركزيًّا لتعثّر الحسم، لأنّه حرم الطّرف المهاجم من تحويل إنجازاته العمليّاتيّة إلى قبول بالشّروط الّتي أراد فرضها. وتبقى حصيلة الحرب على إيران، حتّى تاريخ الدّراسة، أقرب إلى إخفاقٍ استراتيجيٍّ أميركيٍّ منها إلى نجاحٍ يقاس بعدد الأهداف المدمّرة.
تحتفظ الولايات المتّحدة بثقل عسكريّ وماليّ ومؤسّسيّ كبير، بينما تتراجع قدرتها على استخدامه لإقامة نظامٍ مقبولٍ وقابلٍ للاستمرار. وقد أسهمت المقاومة في توسيع المسافة بين هذين المستويين، وفي فتح مجال أمام قوى الإقليم لإعادة تقدير علاقاتها وخياراتها. وتتّجه المنطقة إلى تعدّديّةٍ متنازعٍ عليها، تحتاج واشنطن داخلها إلى التّفاوض مع قدراتٍ ومصالح عجزت عن إزاحتها. ويظلّ تجديد الهيمنة ممكنًا عبر التّكيّف والاحتواء، كما يظلّ توسيع الاستقلال ممكنًا عبر ترسيخ ما فرضه الصّمود من قيود على الإملاء.
تتمثّل المهمّة التّالية لقوى المقاومة في تحويل هذه الحدود إلى مكاسب تحمي المجتمعات وتوسّع السّيادة. فالإعمار والاقتصاد والتّمثيل والتّفاهم الإقليميّ تحدّد مدى بقاء أثر الإنجاز العسكريّ والسّياسيّ. وتظلّ فلسطين المعيار الأوضح، لأنّ مستقبل النّظام يتّصل بحقّ شعبها في الأرض والحرّيّة وتقرير المصير. وقد أظهرت المرحلة أنّ مقاومة الهيمنة قادرة على تعديل حساباتها وإحباط بعض غاياتها، وأنّ بلوغ ترتيب أكثر عدلًا يحتاج إلى ربط هذا الإنجاز بمشروع بناءٍ يستوعب مصالح الشّعوب ويمنح صمودها أفقًا سياسيًّا قابلًا للحياة.
المصادر والإحالات
1 باري بوزن، مجلّة International Security، Command of the Commons. The Military Foundation of U.S. Hegemony
صيف 2003. دراسةٌ محكّمةٌ، المجلد 28، العدد 1، ص 5–46.
2 وزارات خارجيّة الصّين والسّعوديّة وإيران، البيان الثّلاثيّ المشترك بشأن استئناف العلاقات السّعوديّة الإيرانيّة، 10 آذار 2023.
3 نيكول غراجيفسكي، كارنيغي، Why Did Iran Allow Bashar al-Assad’s Downfall?
9 كانون الأوّل 2024.
4 إميل الحكيّم، المعهد الدّوليّ للدّراسات الاستراتيجيّة، The War Against Iran
نيسان وأيار 2026. مقال في Survival، المجلد 68، العدد 2، ص 41–48.
5 باريسا حافظي، رويترز، Iran readies harder retaliation if attacked as diplomacy faces long odds
1 تشرين الأوّل 2026.
6 وليد حزبون ومارك لينش، مشروع العلوم السّياسيّة للشّرق الأوسط، Strategies of the Weak. Navigating Regional Turbulence, the Iran War, and the Decline of US Primacy
حزيران 2026. مقدّمة مجموعة POMEPS Studies 60.
7 ستيفن والت وآخرون، معهد كوينسي، Grand Strategy Implications of Trump’s Iran Debacle. Is This the End of Primacy?
23 نيسان 2026.
8 إدارة معلومات الطّاقة الأميركيّة، Global Energy Security Data
12 آب 2026.
9 جوزيف كراوس، أسوشيتد برس، The US has made progress in reopening the Strait of Hormuz, but the Iran war is far from over
11 أيلول 2026.
10 ليندا بيلمز، مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون، Costs of United States Military Activities in the Wider Middle East Since October 7, 2023
7 تشرين الأوّل 2025.
11 معهد ستوكهولم الدّوليّ لأبحاث السّلام، Global arms flows jump nearly 10 per cent as European demand soars
9 آذار 2026.
12 محكمة العدل الدّوليّة، بيان المحكمة بشأن رأيها الاستشاريّ في الآثار القانونيّة للسّياسات والممارسات في الأرض الفلسطينيّة المحتلّة، 19 تموز 2024. بيان المحكمة رقم 2024/57.
13 البنك الدّوليّ والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، Rapid Damage and Needs Assessment, Gaza Strip
20 نيسان 2026.
14 الأمم المتّحدة، UN Security Council authorizes temporary international force for Gaza
18 تشرين الثّاني 2025.
15 نضال المغربي، رويترز، Trump Gaza board pitches $2.45 billion Gaza plan, implementation uncertain
23 أيلول 2026.
16 سينا طوسي، معهد كوينسي، From Strategic Patience to Persistent Counter-Escalation. Iran’s Emerging Theory of Deterrence
17 أيلول 2026.
17 رافائيل ماريانو غروسي، الوكالة الدّوليّة للطّاقة الذّرّيّة، IAEA Director General’s Introductory Statement to the Board of Governors
7 أيلول 2026.
18 خدمة أبحاث الكونغرس الأميركيّ، The Arab Gulf States, the Iran Conflict, and U.S. Relations. In Brief
3 حزيران 2026. التّقرير R48971.
19 مصطفى كيريكجي أوغلو، وكالة الأناضول، Türkiye, Saudi Arabia, Pakistan sign joint defense agreement at Mecca summit
7 آب 2026.
20 أريبة شاهد، رويترز، Pakistan says Mecca pact members to hold emergency talks on engaging Houthis
2 تشرين الأوّل 2026.
21 وزارة الخارجيّة العمانيّة، سلطنة عمان تعلن التّوصّل إلى اتّفاق لوقف إطلاق النّار بين واشنطن وصنعاء يضمن حرّيّة الملاحة في البحر الأحمر، 6 أيار 2025.
22 تيمور أزهري ومبشّر بخاري، رويترز، Saudis plan assault on Houthis to break Red Sea chokehold
2 تشرين الأوّل 2026.
23 صندوق النّقد الدّوليّ، Arab Republic of Egypt. Seventh Review Under the Extended Fund Facility
13 آب 2026.
24 أحمد رشيد ومؤيّد حميد وماهر نزيه، رويترز، Joy mixed with fear as US forces quit Iraq leaving potential security vacuum
30 أيلول 2026.
25 مايكل يونغ، كارنيغي، Hezbollah’s Margin is Tightening
6 آب 2025.
26 وزارة الخارجيّة وشؤون المغتربين الأردنيّة، الأردن يدين مصادقة السّلطات الإسرائيليّة على بناء 2126 وحدة استيطانيّة جديدة في الضّفة الغربيّة، 3 حزيران 2026.
27 معهد السّياسة والمجتمع، Jordan amid Israeli and Regional Transformations. The King’s UN Address. Strategic Implications and Priorities for National Action
27 أيلول 2026.
28 كارول برتو وباستيان فون بيشفيتس وستيفاني كوركورو، الاحتياطي الفيدرالي، The International Role of the U.S. Dollar. 2025 Edition
18 تموز 2025.
29 أماني جمال ومايكل روبنز، الباروميتر العربيّ، America Has Lost the Arab World
7 نيسان 2026.
30 معاهدة الشّراكة الرّوسيّة الإيرانيّة، النّصّ المنشور لدى وكالة تسنيم، Contents of Iran-Russia Strategic Deal Made Public
18 كانون الثّاني 2025.
31 جون ميرشايمر وستيفن والت، مجلّة Foreign Affairs، The Case for Offshore Balancing
تموز وآب 2016.
32 جون ميرشايمر، The US Cannot Defeat Iran
12 تموز 2026.
33 جون ميرشايمر، The Mother of All Strategic Blunders
1 أيلول 2026.
34 جون ميرشايمر، The West Has Lost Its Way
2 تشرين الأوّل 2026.
35 البيت الأبيض، National Security Strategy of the United States of America
تشرين الثّاني 2025، نشرت في كانون الأوّل.










[…] يوم التعبئة الجماهيرية الكبير في 17 أكتوبر، الذي انطلق على شبكات التواصل الاجتماعي استجابةً […]