Dark Mode Light Mode

قطع المعونة الأمريكية لإسرائيل: بداية تحول؟

وقف المعونة العسكرية لإسرائيل وقف المعونة العسكرية لإسرائيل
(الفرنسية)

في حمّى الانتخابات العامة الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأمريكية، أثيرت مسألة المعونة العسكرية الأمريكية لإسرائيل في ظروف مختلفة. ففي أمريكا كان هذا الأمر موضوعا خلافيا بين أنصار إسرائيل ومؤيديها، حيث اعتبره البعض يأتي على حساب الشرائح الأكثر فقرا، فيما اعتبره آخرون خدمة جليلة للمصالح الأمريكية. ولكن الأمر تطور بشكل واضح بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه اتفق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على وقف هذه المعونة في العام 2027 وليس كما كان مقرّرا في العام 2028.

وأعلنت أوساط إسرائيلية في وزارتي المالية والحرب أنها فوجئت بهذا القرار وأنها لم تكن مستعدة لصدوره خصوصا أنها كانت تنتظر مفاوضات بشأن ذلك. في البداية، كان نتنياهو يتحدث عن تخفيض تدريجي يقود إلى وقف المعونة تماما خلال عقد من الزمن. لكن نتنياهو قبل أربعة أيام من انتخابات الكنيست غيّر اللهجة، وأعلن أن كل من يتوقع استمرار تلقي إسرائيل عشرات المليارات من الدولارات لميزانية الدفاع عليه أن “يكف عن ذلك” لأن أمريكا قد تغيّرت. لكن انتقادات القرار داخل إسرائيل سرعان ما تغلغلت في الحلبة السياسية حيث اعتبره ساسة ومعلقون “رشوة انتخابية” فيما رأى آخرون أنه “كارثة” و”صفعة” مقابل من رأى أن هذه خطوة طبيعية يتطلبها الواقع.

وكان نتنياهو قد أثار الأمر عدة مرات في السابق حيث عرضه على أنه محاولة لإبعاد إسرائيل عن السجال الداخلي الأمريكي وإعادة بناء شراكة أمنية مع الجيش ووزارة الدفاع الأمريكية. وقد برر نتنياهو قبول وقف المعونة بأنه أمر يمنح إسرائيل استقلالية سياسية ودفاعية وأن الاقتصاد الإسرائيلي قادر على تحمل تبعات ذلك وسوف يستفيد من إعادة توجيه الكثير من الطلبيات العسكرية للمصانع الإسرائيلية.
التوقيت ليس مصادفة؛ فقد صدر الإعلان صباح يوم انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في ظل تراجع حاد في الدعم المقدم للمساعدات لإسرائيل من كلا الحزبين. ففي تموز الفائت، صوّت 104 أعضاء في مجلس النواب لصالح إلغاء فوري للمعونة العسكرية مقابل 37 نائب ديمقراطي صوتوا لصالح قرار مماثل قبل عامين وقد أفشلت أغلبية جمهورية القرار. وتعاظم القلق مؤخرا في إسرائيل من أن فوز الديمقراطيين – بمن فيهم التيار المناهض لإسرائيل – بالأغلبية في كل من مجلسي النواب والشيوخ، سيقود إلى قطع المعونة لذلك يفضل القيام بذلك بالتوافق.

عموما، يعتبر قرار وقف المعونة العسكرية في نظر الجيش كارثيا في هذا الوقت بالذات حيث متطلبات “الحرب الدائمة” تتطلب وفق قرار حكومي تخصيص ما لا يقل عن 400 مليار شيكل (حوالي 130 مليار دولار) لتعزيز القدرات العسكرية في العقد المقبل. ومعلوم أن ميزانية الدفاع في إسرائيل ارتفعت خلال الحرب من 60 مليار شيكل عام 2023 إلى 185 مليار شيكل عام 2026 ما يعني أن هذا ليس الوقت المفضل لقطع المعونة. كما يخوض الجيش سنويا صراعا شديدا مع وزارة المالية حول كل مليار يحصل عليه سواء لإدارة النفقات الجارية أو لتطوير القدرات.

ماهية المعونة وحجمها

بدأت المعونة العسكرية لإسرائيل على نطاق واسع أثناء حرب أكتوبر 1973 وتوسعت وتمأسست بعدها. وقد تعهدت إدارة كلينتون بتقديم مساعدات بقيمة 26.7 مليار دولار للفترة من 1999 إلى 2008، ثم رفعت إدارة جورج دبليو بوش قيمة المساعدات إلى 30 مليار دولار للفترة من 2009 إلى 2018. وفي أيلول 2016، وقّعت إدارة أوباما والحكومة الإسرائيلية اتفاقية معونة أمنية للفترة 2019-2028، بقيمة إجمالية قدرها 38 مليار دولار تقسم سنويا على أساس 3.3 لشراء الأسلحة والمعدات و500 مليون دولار لتطوير أنظمة الدفاع الصاروخي، مثل القبة الحديدية ومقلاع داود وحيتس. إضافةً إلى ذلك، قدمت إدارة بايدن 8.7 مليار دولار أخرى كمساعدات خاصة بعد 7 أكتوبر 2023.

ووفقا لمركز أبحاث الكونجرس، فقد تلقت إسرائيل منذ تأسيسها وحتى عام 2025 مساعدات تراكمية من أمريكا بلغت حوالي 300 مليار دولار (معدلة حسب التضخم، بالقيمة الحالية للدولار). وقد قُدم 90% من هذا المبلغ منذ عام 1973. وبحسب مشروع تكاليف الحرب التابع لمعهد واتسون في جامعة براون، قدمت أمريكا لإسرائيل مساعدات عسكرية لا تقل عن 21.7 مليار دولار بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025، بما في ذلك المساعدات الجارية والحزم الخاصة التي أقرتها إدارتا بايدن وترامب خلال الحرب.

وأكد الإعلام الإسرائيلي، أن حصة المعونة الأمريكية في ميزانية الدفاع الإسرائيلية بلغت ما يعادل متوسطا متعدد السنوات يتراوح بين 25% و35% من الإنفاق الدفاعي. في العقد الذي سبق 7 أكتوبر 2023، موّلت المساعدات الأمريكية المنتظمة ما بين 15% و20% من الإنفاق الدفاعي، وفي عامي 2024-2025، بلغت في المتوسط ما بين 23% و24% من هذه النفقات.

وفي نظر إسرائيل لم تكن الأموال الأمريكية هبةً مجانية. إذ تنص المذكرة على إنفاق معظم المعونة على أسلحة أمريكية الصنع، وتستبعد تدريجيا إمكانية تحويل جزء منها إلى شواقل وشرائها من الصناعة الإسرائيلية. وترى أن إسرائيل لن تكون الوحيدة المتضررة من خفض المعونة. فشركات الأسلحة الأمريكية، مثل بوينغ ورايثيون ولوكهيد مارتن، قد تتضرر أيضا من إلغاء المعونة، لأن الغالبية العظمى من أموال المساعدات تعود إليها على شكل طلبيات شراء. وتمارس هذه الشركات، إلى جانب منظماتها العمالية، نفوذاً كبيراً في واشنطن للإبقاء على مصالحها.

ويعتقد اختصاصيون إسرائيليون أن قطع المعونة سيشجع إسرائيل على توسيع اتفاقيات أبراهام، لتعزيز المصلحة الاقتصادية في زيادة صادرات أنظمة الأسلحة، الدفاعية والهجومية، إلى أسواق جديدة، بما في ذلك السعودية والبحرين ودول عربية أخرى. وأنه رغم الإعلان عن وقف المعونة إلا أن مفاوضات تجري لتوزيع التزامات أمریكا تجاه إسرائيل على مدى 13 عاما بدلا من عشرة لتقليص تأثير ذلك على وتيرة التسلح.

أغراض انتخابية

عموما هناك من يقر بأن إعلان ترامب عن وقف المعونة أمر شكلي لأن وقف هذه المعونة ليس من صلاحياته وإنما ضمن صلاحيات الكونغرس. ويرجح هؤلاء أن يكون إعلان ترامب الذي تم بالتنسيق مع إسرائيل وبموافقتها يهدف إلى عرقلة أي تحرك جديد في الكونغرس، ضد وقف المساعدات خلال عملية إقرار الميزانية. كما أن توقيت الإعلان صبيحة يوم الانتخابات النصفية قد يخدم في اللحظة الأخيرة مصالح الجمهوريين في مواجهة ما رأوه “تسونامي” ديمقراطي.

كتب المعلق الاقتصادي في “يديعوت” سيفر بلوتسكر: “إذا كان ترامب قد رأى ضرورةً لإنهاء اتفاقية المعونة قبل عامين من انتهاء صلاحيتها، والقيام بذلك علنا دفعةً واحدة، فإن الدافع لم يكن المال. بل كان دافعه هو العداء المتزايد تجاه الحكومة الإسرائيلية الحالية عموما، وبنيامين نتنياهو خصوصا، في أوساط الرأي العام الأمريكي، من مختلف الأطياف السياسية. حثّ مستشارو ترامب على اتخاذ خطوة ملموسة علنا لقطع العلاقات، أو على الأقل النأي بنفسه علنا، عن إسرائيل نتنياهو، وقد فعل الرئيس ذلك اليوم بعد تأخيرات وترددات”.

وكتب نير كيبنيس افتتاحية موقع “والا” أشار فيها إلى أن إنهاء المعونة الأمريكية تمثل ضربةً قويةً للمؤسسة الأمنية، وأن الشكوك تتزايد حول وجود صفقة سياسية بين شخصين خسرا حملتيهما الانتخابيتين. وأضاف أن الاتفاق ليس متكافئا لأنه “على ما يبدو بين عم ثري وقريبه الفقير”. والأمر مثير للتساؤل خصوصا أنه لا يتوافق مع حرب “على سبع جبهات” مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. واعتبر أن توقيت الإعلان كفيل بأن يقلق كل إسرائيلي. وتساءل هل أن موافقة نتنياهو على التخلي عن معونة حيوية لأمن إسرائيل أشبه “بدفعة للرئيس ترامب” ونوعا من رد الجميل لدعم الأخير له علنا عشية الانتخابات الإسرائيلية.

حمل زعماء المعارضة الإسرائيلية على نتنياهو بسبب إعلان ترامب. وقال زعيم “يشار” غادي آيزنكوت: “إن العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة عنصر أساسي في الأمن القومي الإسرائيلي. وإن اكتشاف الإسرائيليين والجيش لتغير طبيعة العلاقات الاستراتيجية عبر وسائل الإعلام، يُشير إلى مدى خطورة سلوك بنيامين نتنياهو. لم يعد بالإمكان الوثوق به، ويجب استبداله”. وألمح زعيم “إسرائيل بيتن”، أفيغدور ليبرمان، إلى أن هذا هو ثمن الدعم الذي تلقاه نتنياهو من الرئيس الأمريكي قبل الانتخابات: “ثمن دعم ترامب لنتنياهو هو 3.8 مليار دولار سنويا”.

كما حذّر رئيس الحزب الديمقراطي، يائير غولان، من التداعيات الأمنية والاقتصادية لقطع المساعدات، لا سيما بعد حرب طويلة. وقال: “في الوقت الذي بلغ فيه الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي مستويات هائلة، وفي ظل حاجة إسرائيل الماسة لتجديد مخزونها من الأسلحة الهجومية، وتراجع قدراتها الدفاعية الجوية بعد هذه الحرب الطويلة، يُسجّل نتنياهو فشلا ذريعا آخر في سجله”. ووفقا له، فإن قطع المساعدات سيُحمّل الشعب الإسرائيلي عبء تمويل الاحتياجات الأمنية، وسيؤثر سلبا على مستوى المعيشة في البلاد. وهاجم قائلا: “رئيس الوزراء المسؤول سيسعى لزيادة المساعدات الأمريكية، لا إلغائها. نتنياهو يُعمّق الأزمة الأمنية والاقتصادية، ويُعرّض مستقبل إسرائيل للخطر”.

واعتبر رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك، اتفاق ترامب ونتنياهو على وقف المعونة بأنه “صفقة نتنياهو النتنة”. وأشار إلى أن نتنياهو يتنازل عن المعونة دون تشاور، مقابل بيان دعم من ترامب له قبل الانتخابات. كتب: “ما الذي يجب أن يحدث أكثر من ذلك حتى نفهم جميعا أن الرجل قد انحرف عن مساره، وتجاوز صلاحياته، وأنه غير مؤهل بشكل واضح لقيادة البلاد؟ فليذهب نتنياهو إلى بيته”.

يشهد إعلان ترامب على ما تذهب إليه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية خصوصا في نظر المحيط. ومن المؤكد أن هذا الإعلان لا يعني تخليا تاما وواضحا عن إسرائيل وإنما يعني بدء “المراجعة الحقيقية” لهذه العلاقات. ولا يمكن فصل هذا الإعلان عن هزيمة أنصار إسرائيل في الكونغرس وتحول “آيباك” من أقوى مجموعة ضغط إلى عبء انتخابي. وربما أن مكانة إسرائيل ذاتها في أمريكا بدأت تتحول من “ذخر استراتيجي” إلى “استثمار سيء”. وتصريحات ترامب عن أنه آخر رئيس مؤيد لإسرائيل وتصريحات نائبه دي فانس عن أن الحرب على إيران ودعم إسرائيل أديا إلى خسارة الجمهوريين، تشير إلى التغيير المتوقع في الفترة المقبلة.

ابقَ على اطلاع دائم بأهم التحديثات

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تقرّ بأنك قد اطّلعت على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام وتوافق عليهما
أترك تعليقاً أترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقال السابق
استخدام النووي ضد إيران

النووي وسقوط ترامب وأمريكا

المقال التالي

لماذا يرفرف علم فلسطين في الانتفاضة الفرنسية