Dark Mode Light Mode

مأزق إسرائيل في مضيق باب المندب

مأزق إسرائيل في مضيق باب المندب مأزق إسرائيل في مضيق باب المندب
(الفرنسية)

شهدت الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر في مطلع سبتمبر 2026 تحولا بنيويا عميقا، مع تمكن جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) من إحكام السيطرة على جزيرة ميون الاستراتيجية وامتداد الساحل الغربي لليمن وصولا إلى تخوم خليج عدن. لا يقتصر هذا التطور على كونه تغييرا في خرائط النفوذ المحلي، بل يمثل إعادة تشكيل لمعادلات الردع في الإقليم، موجها ضربة لمرتكزات “الأمن القومي” الإسرائيلي، ومُسائلا بنية الهيمنة الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

إعادة توظيف البنية التحتية العسكرية

أسفرت التطورات الميدانية عن سيطرة قوات الحوثيين على بنية تحتية عسكرية واسعة، شملت خمسة معسكرات ومطارين ومنشآت موزعة على أربع جزر رئيسية في البحر الأحمر (زقر، حنيش الكبرى، حنيش الصغرى، وميون)، إلى جانب شريط ساحلي يمتد لـ 170 كيلومترا. وخلفه 14 مديرية سيطر عليها الحوثيون حديثا، وتمركزت في مرتفعاتها لضمان التفوق الجغرافي والإشراف الناري على مضيق باب المندب البحري وطرق الإمداد [مرجع ١].

الأهمية التحليلية لهذا التطور تكمن في أن التحصينات والقواعد التي أنشأتها أطراف إقليمية (كالإمارات) ضمن سياقات تخدم الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لأمن البحر الأحمر، قد أُعيد توظيفها لتصبح نقاط تمركز متقدمة لمناهضة تلك الهيمنة. يمنح هذا التموضع الجديد قدرات تفوق الحاجة للرادارات التقليدية، إذ يتيح المراقبة البصرية والإلكترونية المباشرة لممر لا يتجاوز عرضه 18 كيلومترا، ويعزز من كفاءة التكتيكات غير المتماثلة، كالزوارق المسيرة والصواريخ الموجهة قصيرة المدى، ما يضع حركة الملاحة المتجهة نحو إسرائيل تحت رقابة صارمة.

قلق إسرائيلي: باب المندب يمنح الحوثيين نفوذا واسعا

تنظر المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى هذه التطورات بوصفها تهديداً يتجاوز الجغرافيا اليمنية ليطال شرايين الاقتصاد العالمي والمرتكزات الإسرائيلية. ووفقا للمراسل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، أليشع بن كيمون، فإن السيطرة على باب المندب تمنح الحوثيين انتقائية عالية في تحديد الأهداف، ما يوفر لها نفوذاً مضاعفاً على خطوط التجارة [مرجع ٢].

بدوره، يشير المحلل العسكري أمير بوحبوط إلى تقديرات أمنية إسرائيلية تفيد بأن تركيز الحوثيين سيعود لتصعيد المواجهة مع إسرائيل فور استقرار الجبهات الأخرى، وهو ما يؤسس لمرحلة من الاستنزاف طويل الأمد. وتعزز هذا الطرح الباحثة عنبال نيسيم لوفطون، التي توضح أن السيطرة على باب المندب تمنح الحوثيين نفوذا واسعا لفرض حصار بحري بحكم الأمر الواقع؛ إذ لا يتطلب الأمر إعلانا رسميا للحصار، بل يكفي استمرار التهديد لدفع شركات الشحن العالمية إلى تجنب الممر تماما خشية الاستهداف [مرجع ٣].

اقتصاديا، تعتمد إسرائيل على الأسواق الآسيوية لتأمين 33% من وارداتها السلعية عبر البحر الأحمر. وقد أدى هذا التهديد، بحسب تقارير اقتصادية عبرية، إلى تحويل مسار السفن نحو رأس الرجاء الصالح، مما ضاعف تكاليف النقل والتأمين وأطال أمد الرحلات البحرية، وتوّج ذلك بتعطل شبه كامل لعمليات ميناء إيلات منذ بدء معركة “طوفان الأقصى”، ما يعكس نجاحا في تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة استنزاف اقتصادي مستدام للمشروع الاستيطاني.

“وحدة الساحات”.. من مضيق باب المندب إلى مضيق هرمز

انطلاقا من قراءة الإقليم كوحدة تحليلية متكاملة، لا تنفصل أحداث باب المندب عن التحركات في القرن الإفريقي. فقد سبق أن حذر زعيم جماعة “أنصار الله” عبد الملك الحوثي من المحاولات الإسرائيلية لإيجاد موطئ قدم استخباراتي ولوجستي في إقليم “أرض الصومال” الانفصالي. ولهذا فإن التمركز الحالي في باب المندب يحرم إسرائيل من استخدام هذا العمق الإفريقي كقواعد خلفية آمنة، ويجعل تحركاتها مكشوفة.

على المستوى الاستراتيجي الأوسع، تجد إسرائيل وحلفاؤها الغربيون أنفسهم أمام “كماشة جغرافية” تمتد من مضيق هرمز شرقا إلى باب المندب غربا. هذا الترابط يفرض تحديا هيكليا على القوى البحرية الغربية والإسرائيلية، ويجبرها على تشتيت مواردها العسكرية على مساحات شاسعة، مما يضعف فاعليتها.

الانكشاف الإسرائيلي أمام التراخي الأمريكي

خلف الأبواب المغلقة، ينتقد بعض المسؤولين الإسرائيليين بشدة ما يرونه انهيارا للردع في المنطقة ويتساءلون عن سبب عدم تحرك السعودية والحكومة اليمنية الموالية لها والفاعلين الإقليميين الآخرين بصورة أكثر حزما لوقف تقدم الحوثيين، والنتيجة، في تقديرهم، هي أن الحوثيين أصبحوا في موقع أقوى بينما يواجهون مقاومة قليلة نسبيا. كشفت التطورات أيضا عن أوجه قصور خطيرة في المرونة العسكرية وقدرات القوات المتوقع أن تتولى مواجهة جماعة الحوثيين، وفقا لبعض المسؤولين الإسرائيليين.

وبحسب التقديرات التي نقلتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” [مرجع ٤]، فإن تراجع خصوم الحوثيين يقابل بإصرار الجماعة على توظيف قدراتها العسكرية. كما إن مخاوف مؤسسة الدفاع الإسرائيلية تتمثل في أنه إذا نجح الحوثيون في استغلال سيطرتهم على باب المندب، فقد ينشأ تحالف إقليمي أكثر تماسكا وأقوى بأسا بقيادة إيران.

في سياق متصل، قال محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “يسرائيل هيوم”، يوآف ليمور، في 13 سبتمبر 2026 [مرجع ٥]، إن الأحداث الأخيرة في اليمن تحمل أخبارا سيئة لإسرائيل. فلا يقتصر القلق على سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب الاستراتيجي – وتداعياته السلبية على حركة التجارة البحرية العالمية وتعزيز مكانة إيران الإقليمية – بل تكمن المشكلة الرئيسة في الموقف الأمريكي؛ الذي يتجنب المواجهة ويترك حلفاءه فعليا لمواجهة مصيرهم بمفردهم.

ورأى ليمور أن إسرائيل تتحمل كلفة تعطل التجارة البحرية وتعاظم قوة خصومها رغم عدم تدخلها المباشر في المعارك آنذاك. واعتبر أن قتلها عددا من قادة الحوثيين العام الماضي لم يمنع سوء تقديرها لموازين القوى داخل اليمن، ودعاها إلى الاستعداد لجولة مواجهة جديدة، سواء بمبادرة منها أو ردا على تحرك حوثي.

بينما قال تسفي برئيل [مرجع ٦]، على موقع “هآرتس”، إن إدارة ترامب تتعامل مع تأمين باب المندب باعتباره مشكلة محلية تتحمل مسؤوليتها الأطراف الإقليمية، في مقابل انخراط إدارته المباشر في المواجهة مع إيران التي تحولت إلى معركة مرتبطة بانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وقال إن تمييز ترامب بين جبهتي الخليج العربي والبحر الأحمر يكمل استراتيجية “الكماشة” التي تستخدمها إيران لإحكام قبضتها على طرق التجارة العالمية، ويرى في ذلك شراكة تتجاوز علاقة الوكيل لإيران، بل تتيح للحوثيين المشاركة في صياغة موازين النفوذ الإقليمي.

العقدة الإسرائيلية في البحر الأحمر

يُعد هذا الانكشاف امتدادا لعقدة إسرائيلية، وذروةً لصراع استراتيجي ممتد؛ ففي 19 مارس 1973، كشفت مجلة “تايم” الأمريكية عن احتلال إسرائيلي لعدد من الجزر في مقدمتها جزيرة “زقر” اليمنية، حيث أقامت تل أبيب محطات رادار لمراقبة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر قُبيل حرب أكتوبر.

ورغم المكاسب المؤقتة التي حصدتها تل أبيب لاحقا عبر اتفاقيات التطبيع المتعاقبة، وصولا إلى انخراطها في هندسة أمنية مشتركة مع الإمارات شملت أنشطة استخباراتية في جزيرتي سقطرى وميون، إلا أن صعود قوة الحوثيين وتنامي قدراتهم العسكرية بالارتباط مع “محور المقاومة” أعاد قلب الطاولة تماما. فقد تحول مضيق باب المندب على الساحل الغربي لليمن — الذي يمر عبره نحو 7% من التجارة العالمية وثلث التجارة الخارجية لإسرائيل — من مجرد ممر مائي إلى خندق متقدم لضرب الهيمنة الإسرائيلية، ليثبت أن استراتيجية إسرائيل المتراكمة لعقود قد تبددت أمام تحول الجغرافيا اليمنية إلى ركيزة صلبة وفاعلة ضمن محور المقاومة.

تآكل مظلة الحماية الغربية

كما تكشف هذه التحولات عن أزمة أعمق تتعلق بتآكل الردع الأمريكي في المنطقة. فالتغطيات الإسرائيلية المتواترة تعكس تراجع الثقة في “المظلة الأمريكية”. إن التردد الأمريكي في خوض مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة ضد الحوثيين والاكتفاء بالدعم الاستخباراتي— كما تجلى في التحفظات المنسوبة للإدارة الأميركية تجاه مطالب إقليمية بالتصعيد— يُرسخ قناعة مفادها أن بنية الاعتماد الكامل على واشنطن لحماية المصالح الإسرائيلية وحلفائها في المنطقة تعاني من شروخ بنيوية.

في المحصلة، تعيد تطورات سبتمبر 2026 إنتاج الفضاء الإقليمي للبحر الأحمر، ليس كمجرد ممر دولي خاضع لإدارة القوى المهيمنة، بل كساحة اشتباك قادرة على إنتاج أدوات تحرر فاعلة. الجغرافيا هنا لم تعد عاملا صامتا، بل تحولت إلى بنية سياسية وعسكرية، تفكك أوهام السيطرة المطلقة وتفرض معادلات جديدة ترفع من كلفة الاحتلال وتُعمّق من عزلته الإقليمية والدولية.

المصادر والإحالات

[١] خلال الفترة من مطلع سبتمبر إلى نهاية أكتوبر 2026، سيطرت جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) على 14 مديرية (الخوخة، حيس، المخا، موزع، الوازعية، ذُباب [باب المندب]، الشمايتين، المعافر، المواسط، جبل حبشي، الصلو، سامع، مقبنة، المقاطرة) ومساحات كبيرة في مديريتي المضاربة والقبيطة.

[٢] صحيفة “يديعوت أحرونوت”، تقرير أليشع بن كيمون وإيتمار آيخنر: (https://www.ynet.co.il/news/article/r1drgsvymx).

[٣] أمير بوحبوط – موقع Walla، 29 سبتمبر 2026: (https://www.walla.co.il/news/military/383955576).

[٤] المرجع ذاته لصحيفة “يديعوت أحرونوت” (مصدر رقم 2).

[٥] صحيفة “يسرائيل هيوم”، يوآف ليمور: (https://www.israelhayom.co.il/news/geopolitics/article/21413452?heyday_src=heyday_search).

[٦] تسفي برئيل، موقع “هآرتس”: (https://www.haaretz.com/middle-east-news/2026-09-13/ty-article/.premium/trump-lets-saudi-arabia-fend-for-itself-as-the-houthis-disrupt-red-sea-oil-flow/000001a0-9b6d-de1d-a7a1-bf6d5cfd0000).

ابقَ على اطلاع دائم بأهم التحديثات

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تقرّ بأنك قد اطّلعت على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام وتوافق عليهما
أترك تعليقاً أترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقال السابق
على أطلال النيوليبرالية

على أطلال النيوليبرالية: بكاء أم إدانة؟ قراءة في كتاب ويندي براون

المقال التالي
استخدام النووي ضد إيران

النووي وسقوط ترامب وأمريكا