سعت الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثون الى تسريع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية منذ تشكيلها في أواخر عام 2022 من خلال تشريعات وإجراءات جديدة، وشكلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحوّل على صعيد المشروع الاستعماري في الضفة، تسارعت فيها مخططات بناء الوحدات الاستيطانية وإقامة المستوطنات والبؤر الجديدة وشرعنة بؤر قائمة، وعملت على رفع نفوذ القوى الاستيطانية داخل مؤسسات الحكم الإسرائيلية وتمكينها بالدعم المالي والأمني، ونقلت صلاحيات واسعة تتعلق بالتخطيط والأراضي وإدارة الاستيطان إلى أجهزة مدنية مرتبطة بالمستوى السياسي، واتجهت الحكومة نحو تسليح المستوطنين. وقد أسهم هذا التحول في تعزيز قدرة المستوطنين على تحويل وجودهم الميداني إلى وقائع إدارية وجغرافية.
اتخذ المستوطنون من الاستيطان الرعوي والزراعي في مناطق جبال الضفة الغربية أسلوبا للسيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية والتمدد لإقامة بؤر جديدة في مناطق لم تصلها المستوطنات، وتزامن ذلك مع تصعيد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية والتجمعات البدوية المتاخمة، وفرض قيود على الفلسطينيين تحد من وصولهم إلى الأراضي الزراعية والمراعي ومصادر المياه، وآخرها منعهم من قطف ثمار الزيتون أو مصادرة المحصول وسرقته. ويكشف تداخل هذه الممارسات مع سياسات الحكومة والجيش عن تشكل بنية حكم استيطانية متنامية، تتجاوز حدود المستوطنات القائمة وترتبط بشكل وثيق بمشروع إعادة هندسة المجال الجغرافي للضفة الغربية بما ينسجم مع التوجهات التي طرحها “بتسلئيل سموتريتش” في “خطة الحسم” عام 2017 [مرجع ١.]
تسعى هذه الورقة الى تحليل التحولات التي يشهدها المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتداعيات هذه التحولات على مجمل الوضع الجيوسياسي، واستشراف الاتجاهات المحتملة للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
أولا: من تقسيمات أوسلو الى تجزئة المجال الفلسطيني
أرسى اتفاق أوسلو الثاني عام 1995 تقسيما انتقاليا للضفة الغربية إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”، غير أن هذا التقسيم استمر بعد انتهاء المرحلة الانتقالية عام 1999، وتحول تدريجيا إلى إطار جغرافي وإداري يقيّد التواصل بين التجمعات الفلسطينية وإمكانات توسعها. تشكّل المنطقة “أ” نحو 17.6% من مساحة الضفة، والمنطقة “ب” نحو 18.2%، فيما تمتد المنطقة “ج” على نحو 60% من المساحة، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية المدنية والأمنية. ولا تقتصر أهمية المنطقة الأخيرة على مساحتها الواسعة، بل تشمل موقعها الجغرافي وما تضمه من أراضٍ زراعية وموارد وممرات تصل بين المدن والقرى الفلسطينية، في حين يخضع البناء والتوسع العمراني الفلسطيني فيها لنظام تخطيط وتصاريح إسرائيلي شديد التقييد. [مرجع ٢]
وتعمّقت هذه التجزئة مع بناء جدار الفصل الذي بدأته إسرائيل عام 2002، وما رافقه من عزل أراضٍ فلسطينية وفرض نظام للبوابات والتصاريح يقيّد الوصول إليها. ويبلغ طول مسار الجدار المخطط نحو 712 كيلومترا، يقع 85% منه داخل الضفة الغربية، فيما اكتمل بناء نحو 64% من مساره حتى أبريل 2026. [مرجع ٣]
وإلى جانب جدار الفصل، واصلت إسرائيل توسيع شبكة الطرق الالتفافية المرتبطة بالمستوطنات، بالتوازي مع تكثيف الحواجز والبوابات والإغلاقات التي تتحكم بحركة الفلسطينيين بين محافظات الضفة الغربية. وقد بلغ عدد عوائق الحركة 925 عائقاً حتى ديسمبر 2025، بزيادة 43% عن المتوسط السنوي خلال العقدين السابقين، فيما شهد عام 2025 وحده إقامة أكثر من 120 بوابة جديدة على الطرق. ومن بين العوائق 459 عائقا يقطع أو يعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية، منها 121 عائقا يؤثر في الوصول إلى الطريق رقم 60، الذي يشكّل المحور الرئيسي الرابط بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. [مرجع ٤]
وإلى جانب التحكم في حركة الفلسطينيين عبر الطرق والحواجز، جزأت المستوطنات الاسرائيلية المجال الفلسطيني، لا سيما البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية، اذ أصبحت هذه البؤر أداة لتوسيع السيطرة على الأراضي الواقعة بين التجمعات الفلسطينية، والتي ارتفع عددها من 18 بؤرة عام 2023 إلى 51 بؤرة عام 2024، ثم إلى 89 بؤرة عام 2025، فيما شهد النصف الأول من عام 2026 إقامة 43 بؤرة إضافية، ليرتفع إجمالي البؤر من 350 بؤرة بنهاية 2025 إلى 393 بؤرة بنهاية يونيو 2026. [مرجع ٥] [مرجع ٦] [مرجع ٧ ] [مرجع ٨]
وفي تقديرات أخرى، جرى توثيق إقامة 185 بؤرة جديدة خلال الأعوام 2023–2025، منها نحو 130 بؤرة رعوية وزراعية ومواقع استيطانية على التلال، وقُدرت مساحة السيطرة الفعلية للبؤر الرعوية بأكثر من مليون دونم، أي نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، منها نحو 300 ألف دونم اتسعت السيطرة عليها خلال عام 2025 وحده، [مرجع ٩] ولا تعني هذه السيطرة انتقال ملكية الأراضي قانونيا إلى المستوطنين، بل اتساع نطاق استخدامها للرعي والنشاط الاستيطاني، وما يرافق ذلك من تقييد وصول الفلسطينيين إلى الأراضي والمراعي المحيطة بها. وتكمن خطورة هذا النمط في أن بؤرا محدودة المساحة العمرانية تستطيع التأثير في مساحات أوسع بكثير من مواقعها المبنية، بما يقلّص قدرة التجمعات الفلسطينية على استخدام محيطها الزراعي والرعوي، ويعمّق الفصل الجغرافي بينها.
وإلى جانب التوسع الميداني للمستوطنات والبؤر، اتخذت السيطرة على الأرض مسارا آخر عبر أوامر وضع اليد العسكرية وإجراءات الاستملاك وإعلان مساحات واسعة “أراضي دولة”. ففي عام 2024، أعلنت اسرائيل نحو 24,258 دونما كـ “أراضي دولة” [مرجع ١٠]، فيما طالت إجراءات الاستيلاء على الأراضي عام 2025 نحو 5,572 دونما بمسميات مختلفة، شملت 94 أمرا لوضع اليد لأغراض عسكرية وأمنية استهدفت نحو 2,609 دونما، إلى جانب أوامر استملاك وإعلانات أخرى لـ”أراضي الدولة” [مرجع ١١]. ورغم اختلاف الأسس القانونية لهذه الإجراءات، فإن آثارها تتقاطع في تقييد استخدام الفلسطينيين لأراضيهم، وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على مساحات تتصل بالمستوطنات والبؤر وشبكات الطرق المحيطة بها، بما يعمّق تجزئة المجال الجغرافي الفلسطيني.
ثانيا: الاستيطان بوصفه بنية حكم
شهدت القوى الاستيطانية في إسرائيل تحولا في مواقعها وأدوارها داخل بنية الحكم، انتقلت خلاله من ممارسة الضغط السياسي على الحكومات المتعاقبة إلى المشاركة المباشرة في صنع القرارات وتنفيذ السياسات المتعلقة بالاستيطان في الضفة الغربية. ويستند هذا التحول إلى ثلاثة مسارات متداخلة، تتكامل أدوارها في توفير الحاضنة السياسية والتنظيمية للمشروع الاستيطاني، وتوسيع انتشاره الميداني، وتثبيته من خلال المؤسسات الحكومية. [مرجع ١٢]
يتمثل المسار الأول في المستوى الأيديولوجي والمجتمعي، الذي يضم الأحزاب الداعمة للاستيطان، والمجالس الاستيطانية المحلية والإقليمية، والمؤسسات الدينية والتعليمية، والمنظمات القانونية والإعلامية وشبكات التمويل المحلية والدولية. وأسهم هذا المستوى في تعزيز الحضور السياسي والاجتماعي للقوى الاستيطانية داخل إسرائيل، وربط التوسع في الضفة الغربية بالبرامج الأيديولوجية والمصالح السياسية والاقتصادية لهذه القوى. كما وفّر شبكة تنظيمية قادرة على حشد التأييد والموارد، والضغط من أجل إدراج المطالب الاستيطانية في البرامج الحكومية والاتفاقيات الائتلافية، بما أسهم في انتقال الاستيطان من مطلب تتبناه جماعات ضغط إلى أحد مكونات السياسات الحكومية.
أما المسار الثاني فهو المستوى الميداني، الذي يضم الحركات الشبابية الاستيطانية ومجموعات الحراسة والمستوطنين الناشطين في إقامة البؤر الرعوية والزراعية. ويقوم تأثير هذا المستوى على توسيع الانتشار الاستيطاني خارج حدود المستوطنات القائمة، عبر إقامة مواقع جديدة على التلال والأراضي الزراعية والرعوية، واستخدامها للسيطرة الفعلية على مساحات أوسع من نطاقها العمراني. وقد أتاح هذا النمط للمستوطنين فرض وقائع ميدانية جديدة والضغط لتوفير الخدمات والبنية التحتية وتسوية الأوضاع القانونية للبؤر، فيما أدى تقييد وصول الفلسطينيين إلى الأراضي والمراعي المحيطة بها إلى تعميق التجزئة الجغرافية والضغط على التجمعات الفلسطينية المجاورة.
ويتمثل المسار الثالث في المستوى الرسمي والمؤسسي، الذي شهد تحولا مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين أواخر عام 2022، وانتقال قوى استيطانية من التأثير السياسي إلى ممارسة صلاحيات داخل مؤسسات الحكم. فقد أفضت التفاهمات الائتلافية إلى اتفاق في 23 فبراير 2023، أُنشئت بموجبه “إدارة الاستيطان” داخل وزارة الدفاع، ووضعت تحت مسؤولية زعيم الصهيونية الدينية ووزير المالية “بتسلئيل سموتريتش”، بصلاحيات تشمل تخطيط المستوطنات وإدارة الأراضي وتسوية أوضاع البؤر وإعلان “أراضي الدولة” وإنفاذ إجراءات التخطيط والبناء في المنطقة “ج”. [مرجع ١٣] وتعمّق هذا التحول في مايو 2024 مع تعيين “هليل روث” نائباً مدنياً لرئيس الإدارة المدنية، ومنحه صلاحيات واسعة مرتبطة بإدارة الاستيطان، من دون إنهاء الإطار العسكري القائم رسميا. [مرجع ١٤] وانعكس ذلك على إجراءات التخطيط، بعد إلغاء اشتراط موافقة وزير الدفاع في كل مرحلة من مراحل إقرار المخططات في يونيو 2023، [مرجع ١٥] وانتقال مجلس التخطيط الأعلى إلى عقد جلسات أسبوعية منذ نوفمبر 2024. [مرجع ١٦] وتزامنت هذه التغييرات مع دفع مخططات لبناء 40,064 وحدة استيطانية خلال الأعوام 2023–2025، منها 27,941 وحدة عام 2025 وحده، وهي وحدات تقدمت في مراحل التخطيط ولم يُستكمل بناؤها بالضرورة. [مرجع ١٧]
وتعمّق هذا المسار في فبراير 2026، مع تخصيص الحكومة الإسرائيلية نحو 244.1 مليون شيكل على مدى خمس سنوات لإنشاء آلية لتسوية وتسجيل حقوق ملكية الأراضي في المنطقة “ج”، تحت إدارة وزارة العدل الإسرائيلية. ولا يعني هذا القرار انتقال ملكية الأراضي فعليا، لكنه يؤسس لإجراءات قد تعيد تحديد وضعها القانوني، وتزيد صعوبة إثبات الفلسطينيين حقوقهم فيها [مرجع ١٨].
ويكشف تداخل هذه المستويات عن تحول في العلاقة بين الدولة والمستوطنين؛ فبينما كانت المبادرات الميدانية تسعى إلى فرض وقائع تدفع الحكومات نحو الاعتراف بها، أصبحت المؤسسات الإسرائيلية تتولى بصورة متزايدة تهيئة الشروط الإدارية والمالية والتخطيطية لتوسيع النشاط الاستيطاني. وبذلك لم يعد المشروع الاستيطاني يعتمد على انتشار المستوطنات والبؤر وحده، بل بات يستند إلى شبكة سياسية وميدانية ومؤسسية تسهم في إعادة تشكيل السيطرة على الأرض في الضفة الغربية.
ثالثا: العنف الاستيطاني للسيطرة على الأرض
ترافقت التحولات التي شهدتها بنية الاستيطان مع تصاعد الاعتداءات على القرى الفلسطينية والتجمعات البدوية، خصوصا في المناطق المحيطة بالبؤر الرعوية والزراعية. ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على إلحاق الضرر بالممتلكات والمحاصيل، بل تشمل تقييد الوصول إلى المراعي ومصادر المياه والأراضي الزراعية، بما يهدد مقومات البقاء الاقتصادي والاجتماعي لبعض التجمعات الفلسطينية، وتشير المؤشرات الى تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، إذ ارتفع عدد الاعتداءات من 2,410 اعتداء عام 2023 إلى 2,971 اعتداءً عام 2024، ثم إلى 5,443 اعتداءً خلال عام 2025، بما يشمل الاعتداءات التي نُفذت بمشاركة قوات الاحتلال. [مرجع ١٩] [مرجع ٢٠] واستمر هذا التصاعد خلال النصف الأول من عام 2026، الذي شهد 3,488 اعتداءً للمستوطنين، أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينيا وتهجير 26 تجمعا بدويا ورعويا بصورة كلية أو جزئية . [مرجع ٢١]
امتدت هذه الاعتداءات إلى الأرض ومقومات الإنتاج الزراعي؛ حيث أشعل المستوطنون عام 2025 434 حريقا متعمدا في الممتلكات والحقول الفلسطينية، فيما تعرضت 35,273 شجرة للاقتلاع أو التخريب أو التسميم بفعل اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال، بينها 26,988 شجرة زيتون، إلى جانب تهجير 13 تجمعا بدويا يضم 1,090 فلسطينيين. [مرجع ٢٢] وأقدم المستوطنون أيضا على سرقة أغنام الفلسطينيين في 17 حادثة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، ووثق وجود جنود إسرائيليين يحمون المستوطنين أثناء السرقة في ثمانٍ منها [مرجع ٢٣] وتوضح هذه الوقائع أحد أوجه التداخل بين نشاط المجموعات الاستيطانية ودور القوات العسكرية، وما قد يترتب عليه من إضعاف مصادر رزق التجمعات الرعوية الفلسطينية وزيادة الضغوط التي تهدد استمرارها على الأرض.
أدت اعتداءات المستوطنين المتكررة والقيود المرتبطة بالوصول إلى الأراضي والخدمات إلى نزوح سكان 130 تجمعا فلسطينيا بصورة كلية أو جزئية، خلال الفترة الممتدة من يناير 2023 حتى نهاية أغسطس 2026، بينها 48 تجمعا أُخلي بالكامل، فيما تجاوز عدد النازحين في هذا السياق 6400 فلسطيني. [مرجع ٢٤]
وتزامنت اعتداءات المستوطنين مع سياسات التضييق على المزارعين الفلسطينيين في المناطق المصنفة “ج”، حيث أظهرت المؤشرات خضوع نحو 88,300 دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية خلال موسم 2026 لتنسيق عسكري مسبق قبل السماح لأصحابها بالوصول إليها، مقارنة بنحو 68,800 دونم في العام السابق. [مرجع ٢٥] وهكذا يتقاطع العنف الميداني مع القيود العسكرية والإدارية في تغيير شروط استخدام الأرض، بما يوسع نفوذ البؤر الاستيطانية إلى مساحات تتجاوز حدودها المبنية، ويعمّق الضغط على التجمعات الفلسطينية الواقعة في محيطها.
رابعا: تداعيات المشروع الاستيطاني على المستقبل الجيوسياسي للضفة
تنعكس التحولات التي شهدها المشروع الاستيطاني على المستقبل الجيوسياسي للضفة الغربية، بعدما أسهم توسع المستوطنات والبؤر والقيود المفروضة على الحركة واستخدام الأراضي في تعميق التجزئة الجغرافية الفلسطينية، وتقليص المساحات المتاحة للتوسع العمراني والاقتصادي. ولا ترتبط نتائج هذه التحولات بإمكانية إعلان ضم إسرائيلي رسمي شامل فحسب، بل باستمرار فرض وقائع إدارية وميدانية تعزز السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الأرض، وتحد من إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيّا.
وتبرز الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر بوصفها محطة قد تؤثر في وتيرة المشروع الاستيطاني وآليات تنفيذه، دون أن تحدد مستقبله بصورة نهائية. [مرجع ٢٦] ففي حال استمرار نفوذ الأحزاب الاستيطانية داخل الائتلاف الحكومي المقبل، قد تتسارع إجراءات توسيع المستوطنات وتسوية أوضاع البؤر وتسجيل الأراضي. أما إذا أفرزت الانتخابات ائتلافا يتراجع فيه نفوذ هذه القوى، فقد تتباطأ بعض الإجراءات أو تتغير أولويات التمويل والتخطيط، دون أن يعني ذلك تفكيك البنية الاستيطانية القائمة أو إنهاء منظومة السيطرة التي ترسخت خلال السنوات الماضية. وفي الحالتين، تبقى التحولات الجغرافية والإدارية السابقة عاملا مؤثرا في خيارات أي حكومة إسرائيلية مقبلة.
وتضع هذه المسارات مستقبل السلطة الفلسطينية ومشروع “حل الدولتين” أمام تحديات متزايدة؛ إذ قد تستمر السلطة في إدارة السكان وتقديم الخدمات ضمن مناطق فلسطينية متقطعة، في ظل محدودية سيطرتها على الأراضي والموارد والمعابر. وتتفاقم هذه المعضلة مع أزمتها المالية، بعدما بلغت إيرادات المقاصة التي تحتجزها إسرائيل، وفق تقديرات سبتمبر 2026، نحو ستة مليارات دولار (مرجع ٢٧). وبذلك لا يرتبط مستقبل الدولة الفلسطينية ببقاء مؤسسات السلطة أو الاعتراف الدولي وحدهما، بل بمدى القدرة على وقف التوسع الاستيطاني واستعادة التواصل الجغرافي والاقتصادي بين التجمعات الفلسطينية، وتوفير المقومات الفعلية للسيادة على الأرض.
خاتمة
تكشف التحولات التي شهدتها الضفة الغربية منذ أواخر عام 2022 أن المشروع الاستيطاني لم يعد يقتصر على توسيع المستوطنات وإقامة البؤر الجديدة، بل أصبح يستند إلى تداخل المبادرات الميدانية للمستوطنين مع مؤسسات الحكم الإسرائيلية وأدوات التخطيط، والتمويل، والسيطرة الأمنية، والإدارية. وقد أسهم هذا التداخل في توسيع نطاق السيطرة الفعلية على الأراضي الفلسطينية خارج حدود المستوطنات القائمة، وتعميق التجزئة الجغرافية والاقتصادية بين التجمعات الفلسطينية.
وتتمثل النتيجة السياسية الأعمق لهذه التحولات في اتساع الفجوة بين استمرار السلطة الفلسطينية في إدارة السكان وتراجع قدرتها على إدارة الأرض والموارد اللازمة لقيام دولة مستقلة. ومن ثم، فإن مستقبل الضفة الغربية لا يتوقف على إعلان ضم إسرائيلي رسمي أو تغير الائتلاف الحكومي وحدهما، بل على مدى استمرار الوقائع الاستيطانية التي تعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وما تتركه من إمكانات فعلية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وذات سيادة.
المصادر والإحالات
- حسين، حمدي علي. “دولة الاستيطان: صعود قوة المستوطنين وتحولات بنية الحكم في إسرائيل”. مركز الجزيرة للدراسات، 18 مارس 2026، https://bit.ly/4hOkI46.
- حسين، حمدي علي. “أي دولة فلسطينية على الأرض المتبقية؟”. مركز الجزيرة للدراسات، 24 نوفمبر 2022. https://bit.ly/4hKsvQs.
- United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). “Movement and Access in the West Bank: April 2026.” Fact Sheet, April 23, 2026. https://bit.ly/4i7mE6R.
- المرجع السابق.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2023”. رام الله: هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 2023، ص 13.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2024”. رام الله: هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 2024، ص 9.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2025”. رام الله: هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 2025، ص 9.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير النصفي للنصف الأول من عام 2026”. رام الله: هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 2026، ص 12.
- Peace Now and Kerem Navot. Annus Mirabilis: Actions by the Israeli Government to Annex the West Bank, 2023–2025. July 2026. https://www.keremnavot.org/annusmirabilis.
- Peace Now. “The Year of Annexation and Expulsion: Summary of Settlement Activity in 2024.” February 2025. Published online September 29, 2025. https://bit.ly/3U5upls.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2025″، مرجع سابق، ص 50.
- حسين، حمدي علي. “دولة الاستيطان: صعود قوة المستوطنين”، مرجع سابق.
- Peace Now. “Annexation Under the Radar: The Establishment of the Settlements Administration under Minister Bezalel Smotrich.” July 1, 2023. https://bit.ly/4sabhj4 .
- Association for Civil Rights in Israel (ACRI). “Abolish the New Regime Structure in the West Bank, Which Constitutes as Annexation.” September 26, 2024. https://bit.ly/47ndUoa .
- Peace Now. “Israeli Government Assigns Sole Responsibility for West Bank Settlement Planning Process to Minister Smotrich.” June 18, 2023. https://bit.ly/4ySdJNF.
- peace Now. “Settlement Planning Monitor: Updated List of Approved Plans.” March 20, 2025. https://peacenow.org.il/en/settlement-planning-monitor.
- Peace Now and Kerem Navot. Annus Mirabilis، مرجع سابق.
- Peace Now. “Government Approves West Bank Land Settlement, Allocates NIS 244 Million for a Process Entailing the Dispossession of Thousands of Palestinians.” February 15, 2026. https://peacenow.org.il/en/government-decision-land-registration.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2024″، مرجع سابق، ص 84–85.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2025″، مرجع سابق، ص 77.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير النصفي للنصف الأول من عام 2026″، مرجع سابق، ص 10.
- هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. “التقرير السنوي لعام 2025″، مرجع سابق، ص 10.
- B’Tselem. “Stealing the Poor Man’s Lamb: As Part of Efforts to Take Over Land in the West Bank, Settlers Steal Sheep and Goat Flocks, Often with Assistance from the Military, Severely Harming Herders’ Livelihoods.” August 17, 2026. https://bit.ly/47WNz0h.
- United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). “Humanitarian Situation Report: 4 September 2026.” September 4, 2026. https://bit.ly/3UzdVSZ.
- Peace Now. “Military Orders Restrict Access to 90,000 Dunams of West Bank Olive Groves Ahead of Harvest Season.” October 7, 2026. https://peacenow.org.il/en/olive-harvast-restrictions.
- Central Elections Committee for the Knesset. “Elections for the 26th Knesset: Election Day, October 27, 2026.” 2026. https://www.bechirot.gov.il/home/
- Office of the United Nations Special Coordinator for the Middle East Peace Process (UNSCO). Report to the Ad Hoc Liaison Committee: September 2026. September 24, 2026. https://bit.ly/4jZtAFt.









