باریس | منذ أشهر، ينتظر تقرير أممي في نيويورك جلاء مصيره. التقرير الذي يضم في طيّاته عشرات الصفحات، غير مسبوق، ويصم ما ارتكبته إسرائيل في جنوب لبنان بـ”جريمة التطهير العرقي”. التقرير أعده مستشار للأمين العام للأمم المتحدة يختص بمهمة شبه مستحيلة وبلقب مشؤوم: باني تشالوكا، المستشار الخاص بمنع الإبادة الجماعية. فداحة التسمية، وصفاء النيّة، لم يمنعا أيا من جرائم الإبادة التي نفذتها وتنفذها إسرائيل في فلسطين، ومن خلفها طبعا الولايات المتحدة، قبل أن تنتقل إلى الجغرافيا اللبنانية، لترتكب جريمتها الموصومة بـ”التطهير العرقي بحق المسلمين الشيعة”، على ما يقوله صاحب التقرير.
اجتهد تشالوكا في بناء مرافعته الاتهامية عبر صفحاتها التي زادت عن المئة، متفحصا دقائق العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني وبيروت وضاحيتها الجنوبية، منذ الثاني من مارس 2026 حتى الخامس عشر من مايو، من انعقاد النيّة والإعداد المسبق للتطهير العرقي والتنفيذ الممنهج الذي لم يتوقف.
ولكن أسئلة كثيرة تواجه التقرير الذي يشير طول إقامته في الأدراج من يونيو حتى الآن، إلى بطئ مبين في استكمال الاتهام، بإشهاره أولا كي يتحول من مجرد تقرير إلى مطالعة اتهامية قانونية دولية. ويعود ذلك القرار طبعا إلى الأمين العام المغادر أنطونيو غوتيريش. ولكن من غير الواضح، حتى الآن، ما إذا كان سيلجأ إلى المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة بوضعه التقرير على سكة مجلس الأمن الدولي، ومن بعده المحكمة الجنائية الدولية أم لا، أو أن ما يلوح من مشقات تنتظر هذا التقرير في مجلس الأمن، قد دفعه، أو سيدفعه بسبب نفاد ولايته، إلى توريث من سيخلفه جمرات هذا الملف ليقرّر مصيره، متابعة أو رميا في الأدراج.
عشرات الصفحات توثق الجريمة
استند المستشار الزامبي، تشالوكا، بشكل واسع، إلى تقارير محققي لجنة تقصي الحقائق الذين جاء أكثرهم من جنيف، وضمّوا في صفوفهم خبراء عسكريين وتشريح وطب شرعي. كما استند المستشار الخاص إلى تقارير محققي لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذين عملوا على جمع الأدلة والوثائق والشهادات خلال أشهر، ومطابقتها مع المعايير القانونية والنصوص التي تصنف الأفعال الجارية، وتصطفي منها ما يشرح طبيعة ما ارتكب على أرض الجنوب اللبناني وبحق أهله، والمسار الذي لا يزال مستمرا حتى الآن، دون أن يواكب المرحلة التي تلت ذلك التاريخ إلى اليوم، والتي استكمل فيها الاحتلال الإسرائيلي لوازم التطهير العرقي وسحق كل مقومات الحياة، من تهجير وتدمير للبنى التحتية، والأعيان الإنسانية، التي لا يسمح تفسيرها سوى بكل الشروط التي تسمح للبشر بالحياة، من أرض وزراعة وصناعة ومدرسة ومشفى وماء وكهرباء وطرقات ودور عبادة وآثار ثقافية تتصل بذاكرة المكان. كما تضمن عمل فريق التحقيق، وتقرير المستشار الخاص لمنع الإبادة الجماعية، إحصاء كاملا لعدد وصور أوامر الإخلاء القسري للقرى الشيعية، والتي بلغت ذروتها في أوامر بإخلاء 39 قرية في يوم واحد. كما تضمن التقرير عدد من هُجّروا بسببها من قراهم، ليحاجج بأنه كان القانون الدولي يجيز للمتحاربين اللجوء إلى إخلاء السكان خلال العمليات الحربية حرصا على حياتهم، إلا أن أيا منهم لم يعد إلى قريته وهو ما يعد جريمة تطهير عرقي. ويدعم التقرير تهمة “التطهير العرقي بحق الشيعة” بوجود ثلاث قرى مسيحية وأخرى درزية وسنية لم تتعرض لعمليات التدمير المنهجي ولا إلى أوامر بالإخلاء.
المؤشرات الأربعة للجريمة المستمرة
يقع التقرير تحت عنوان “خطر التطهير العرقي للشيعة في جنوب لبنان: إنذار أولي مبكر”، ويرى أن هناك نسقا من الممارسات (Pattern of conduct)، وهو مصطلح قانوني يشير إلى نسق قائم على الأدلة من ممارسات ملموسة (Empirical) ومتكررة للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، والتي تظهر وجود نية للتطهير العرقي بحق المسلمين الشيعة في جنوب لبنان.
ويضيف التقرير أن “هذا النسق قد بدأ في الثاني منذ مارس بعد أن أطلق حزب الله مسيّرات وصواريخ، والذي قال عنه حزب الله إنه ينتقم به من الضربات الإسرائيلية والأمريكية المتكررة على إيران، ومن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق إطلاق النار في السابع والعشرين نوفمبر 2024”.
> المؤشر الأول: الإخلاء القسري الجماعي ومنع العودة من الثاني من مارس إلى 15 مايو (وهي الفترة الزمنية التي تناولها التقرير) وقد أدّت إلى إخلاء 14 ٪ من الأراضي اللبنانية، وهجّرت مليونا ومئتي ألف مواطن معظمهم من المسلمين الشيعة من جنوب لبنان، وأقامت بشكل أحادي “المنطقة الصفراء” ما بين 5 إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، باستثناء ثلاث قرى مسيحية وبعض القرى السنية والدرزية.
> المؤشر الثاني: “هذا الأمر ليس عبثا وإنما ينطوي على نيات جدية لتدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية تجعل العودة مستحيلة، وتدمير المناطق السكنية، والمدارس، وشبكات المياه والكهرباء والأراضي الزراعية، ودور العبادة. وطاولت هذه الأعمال قرى منها: الناقورة، بنت جبيل، كفركلا، عيتا الشعب، القوزح، دير سريان، رب ثلاثين، والقنطرة، وأسقطت عليها 450 طناً من المتفجرات، ودمرت (حتى الخامس عشر من يونيو الماضي) 27 ألف منزل و182 مبنى عامّا، و35 مدرسة. وصرّح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بوضوح أن ‘المدارس والمنازل كافة على الحدود سيتم تدميرها’… ‘وفق نموذج رفح وبيت حانون’، وهذا يؤكد النية متضافرة مع الأفعال التدميرية”.
> المؤشر الثالث: “احتلال طويل لإفراغ الجنوب من الشيعة، وهو ما يمثل 6 ٪ من مساحة لبنان الكلية. إن كل ما يقوم به الجيش الإسرائيلي يخالف قواعد لاهاي للحرب البرّية، بعدم امتثاله لقواعد الضرورة والتناسب في الأعمال الحربية. كما يشكل انتهاكا جسيما لاتفاقيات جنيف الأربع وانطوائه على عقوبات جماعية تفرض على الشيعة”.
> المؤشر الرابع: “خطاب يسرائيل كاتس، وبنيامين نتنياهو. إذ قال كاتس إنه سيعمل وفق نموذج رفح وبيت حانون في غزة، وهي مناطق تم توثيق تهجير أهلها جماعيا وتدمير كل البنى المدنية فيها. وقال نتنياهو إن اسرائيل لن تسمح لحزب الله أن يقوى، وأن يشكل تهديدا لإسرائيل في أي مكان في لبنان، وهو ما يدل على نية دائمة لإلحاق الضرر الجسدي والديمغرافي بالشيعة مع الحفاظ على القرى المسيحية المحتلة في الأراضي اللبنانية المحتلة، ويعزز هذا الاستنتاج الطابع التمييزي”.
ماذا يقترح تشالوكا لملاحقة التطهير العرقي؟
“سيقوم مكتب منع الإبادة الجماعية بتفعيل آلية مسح الفظائع رسميا (لإعلان جنوب لبنان منطقة منكوبة وتتعرض للتطهير العرقي) وسيطلب المستشار الخاص إجراء تقييم عاجل للوضع في جنوب لبنان، استنادا إلى إطار التحليل الخاص بالجرائم الفظيعة، وسيركز هذا التقييم على عوامل الخطر والاستهداف التمييزي للمجتمع الشيعي والتدمير المنهجي للشروط اللازمة لعودة السكان، والآثار الديمغرافية المترتبة على احتلال الأراضي اللبنانية على أن تتم إحالته إلى الأمين العام في فترة زمنية محددة. سيجري مكتب منع الإبادة الجماعية اتصالات مباشرة مع الأمين العام وتوصيته بأن يمارس صلاحياته بموجب المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة” (تتيح هذه المادة للأمين العام إحالة الملف إلى مجلس الأمن وإحاطته بالتهديد الموثق في المذكرة، للأمن والسلم الدوليين، والطلب من المجلس اعتبار ما تقوم به إسرائيل تهديدا للأمن والسلم الدوليين، كما له أن يطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن للبحث في حماية المدنيين في جنوب لبنان، وإحالة الملف إلى “الجنائية الدولية” في لاهاي).








